بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه
خطبة ليوم 13 ذي القعدة 1447هـ الموافق لـ 1 ماي 2026م
«مِنْ مَقَاصِدِ الْحَجِّ تَحْرِيرُ الْإِنْسَانِ مِنْ دَاعِيَةِ هَوَاهُ»
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي خلق الإنسان وكرمه، وفضله على كثير من خلقه ونعَّمه، وحرره من داعية هواه بما أنزل من الشرائع وهذبه، نحمده تعالى حمد المقرين بآلائه، الشاكرين لعظيم نواله وعطائه، ونشهد أن لا إله إلا الله، شهادة من قال ربي الله ثم استقام، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله المنقذ من ظلمات الجهالة إلى نور الإسلام، صلى الله وسلم عليه ما توالت على العباد سحائب الإمداد والإنعام، وعلى آله الطيبين الأعلام، وصحابته البررة الكرام، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛ أيها المؤمنون والمؤمنات، روى الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وهو يصف حجة النبي صلى الله عليه وسلم، قال:
فَأَهَلَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالتَّوْحِيدِ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ»[1].
عباد الله؛ تعتبر السيرة النبوية تطبيقا عمليا لما جاء في القرآن الكريم من العبادات والمعاملات والأخلاق، ولا سبيل إلى فهم معانيه، وإدراك مقاصده ومبانيه، إلا من خلال السيرة والسنة النبوية، واليوم نقتبس بإذن الله تعالى بعض المقاصد من تعاليم النبي صلى الله عليه وسلم في فريضة الحج، امتثالا لقوله صلى الله عليه وسلم:
«لِتَأْخُذُواْ مَنَاسِكَكُمْ»[2]
، وفي رواية النسائي:
«خُذُواْ مَنَاسِكَكُمْ»[3].
وأهم مقصد من مقاصد الحج الكبرى هو توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة، وهو ما دل عليه قول سيدنا جابر بن عبد الله السالف الذكر:
«فَأَهَلَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالتَّوْحِيدِ».
فهذه الجملة لخصت لنا فهم الصحابة للشريعة ومقاصدها الكبرى، وذلك لأن المشركين كانوا يلبون بالشرك، ويُدخلون في مناسكهم عبادة الأصنام، إذ كانوا يطوفون ويسعون ويحضرون المشاعر على حسب أهوائهم، ويدخلون من حيث شاءوا ويقفون حيث شاءوا إلى غير ذلك من الانحرافات المخالفة لدين الخليل إبراهيم عليه السلام.
فلما لبى النبي صلى الله عليه وسلم بذي الْحُلَيْفَةِ قال:
«لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ».
فصحح للناس عقيدتهم، ونفى الشركاء عن الله في عبادته، وفي ذلك من الدروس ما يلي:
أولا: أن العبادات إنما شرعت لتوحيد الله تعالى وإقامة ذكره وشكره، وهذه غاية ما بُعِثَتْ من أجله الرسل، وأُنزلت لترسيخه الكتب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ»[4].
ثانيا: أن قول جابر رضي الله عنه: «فَأَهَلَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالتَّوْحِيدِ» أصلٌ لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، من تحرير الإنسان من داعية هواه، وهو خلاصة الأمر والنهي في القرآن والسنة، والسبيل إلى رضوان الله والجنة، يقول الله عز وجل:
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَي اَ۬لنَّفْسَ عَنِ اِ۬لْهَو۪ىٰ فَإِنَّ اَ۬لْجَنَّةَ هِيَ اَ۬لْمَأْو۪ىٰ﴾[5].
وقال سبحانه:
﴿أَفَرَٰٓيْتَ مَنِ اِ۪تَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَو۪يٰهُ وَأَضَلَّهُ ا۬للَّهُ عَلَيٰ عِلْمٍ﴾[6].
إلى غيرها من الآيات الناهية عن اتباع الهوى. كما قال ابن عباس رضي الله عنهما:
«مَا ذَكَرَ اللَّهُ الْهَوَى فِي الْقُرْآنِ إِلَّا ذَمَّهُ»[7].
ثالثا: أن ما يتحمله الحاج في رحلة الحج من إنفاق المال، والبعد عن الوطن ومفارقة الأهل والأحباب، ونزع ما اعتادت النفس من اللباس والشهوات، والانخراط في جماهير الحجيج بلا فرق في المظاهر والأحساب والأنساب، كل ذلك من أجل تخليص النفس من أهوائها، وإشعارها بأن الفرق الوحيد المعتبر عند الله تعالى هو تقوى الله وحسن الخُلُق.
قال الله تعالى:
﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ا۬للَّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ اَ۬لزَّادِ اِ۬لتَّقْو۪يٰ وَاتَّقُونِ يَٰٓأُوْلِے اِ۬لَالْبَٰبِ﴾[8].
نفعني الله وإياكم بقرآنه الكريم، وبحديث سيد الأولين والآخرين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله؛ يقول الإمام الشاطبي رحمه الله:
«اَلْمَقْصَدُ الشَّرْعِيُّ مِنْ وَضْعِ الشَّرِيعَةِ إِخْرَاجُ الْمُكَلَّفِ عَنْ دَاعِيَةِ هَوَاهُ حَتَّى يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ اخْتِيَارًا كَمَا هُوَ عَبْدٌ لِلَّهِ اضْطِرَارًا»[9].
هذا النص عباد الله يلخص الغاية من نزول الشرائع والأحكام، وهي إخراج الإنسان من عبادة النفس إلى عبادة الله عز وجل.
ومعنى أنه عبد لله اختيارا أنه يؤمن بالله تعالى ويخلص له في العبادة، ويقوم بالعمل الصالح في مختلف مجالات حياته، كما هو عبد لله اضطرارا حيث لم يكن له اختيار في ولادته ونشأته وعمره ونسبه وقامته ولونه ومسار حياته.
فإذا أدرك العبد هذه الحقيقة، وهي أوضح من الاستدلال عليها، كان ذلك أدعى للتسليم والتفويض فيما طلب منه من العبودية الاختيارية، وبذلك يكون حقا عبدا لله اختيارا، ويحقق معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم:
«قُلْ آمَنْتُ بِاللهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ»[10].
هذا وصلوا وسلموا على نبي الهدى والرشاد، والشفيع المشفع يوم المعاد، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت وسلمت وباركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين المهديين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن باقي الصحب من المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم بإحسان، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين يا رب العالمين.
وانصر اللهم من وليته أمر عبادك، وبسطت يده في أرضك وبلادك، مولانا أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمدا السادس، نصرا تعز به الدين، وترفع به راية الإسلام والمسلمين، اللهم بارك له في الصحة والعافية، وأقر عين جلالته بولي عهده المحبوب صاحب السمو الملكي الأمير الجليل مولاي الحسن، وشد أزره بشقيقه السعيد الأمير الجليل مولاي رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة، إنك سميع مجيب.
وتغمد اللهم بواسع رحمتك، وعظيم جودك الملكين الجليلين، مولانا محمدا الخامس، ومولانا الحسن الثاني، اللهم طيب ثراهما، وأكرم مثواهما، واجعلهما في مقعد صدق عندك. مع المنعم عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين. وحسن أولئك رفيقا.
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من عبادك الراشدين.
اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم اغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا ومشايخنا وارحم موتانا وموتى المسلمين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
[1] – صحيح مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم 2/886. رقم الحديث بالمنصة 1809.
[2] – صحيح مسلم، كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة 2/943. رقم الحديث بالمنصة 2031.
[3] – سنن النسائي، كتاب مناسك الحج باب الركوب إلى الجمار وَاسْتِظْلَالِ الْمُحْرِمِ 5/270.
[4] – سنن أبي داود، كتاب المناسك باب في الرمل، 2/118، وصحيح ابن خزيمة، باب الذكر عند رمي الجمار 4/279. رقم الحديث بالمنصة 7040.
[5] – النازعات 39-40.
[6] – الجاثية 22.
[7] – الموافقات 3/126 والاعتصام 3/107 وتفسير القرطبي 16/167
[8] – البقرة 196.
[9] – الموافقات ج 3/125.
[10] – صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب جامع أوصاف الإسلام 1/65. وصحيح ابن حبان: ذِكْرُ الإخبار عَمَّا يَجِبُ عَلَى الْمَرْءِ مِنْ سُؤَالِ الْبَارِي تَعَالَى الثَّبَاتَ وَالاِسْتِقَامَةَ عَلَى مَا يُقَرِّبُهُ إِلَيْهِ بِفَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا بِذَلِكَ 5/292 . واللفظ لابن حبان




