بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه
خطبة ليوم 06 ذي القعدة 1447هـ الموافق لـ 24 أبريل 2026م
قيمة المال في الإسلام: وأهم مكاسبه ومصارفه”
الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، والشكر له على ما أولى من جزيل آلائه وكريم إحسانه، نحمده تعالى ونشكره، ونستعينه ونستغفره، ونشهد أن لا إله إلا الله شهادة المعترفين بعظيم حقه، المتعاملين بالإحسان مع خلقه، ونشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، ومصطفاه من خلقه وخليله، المبين لوحيه بسنته وسيرته، صلوات ربي وتسليماته عليه تتوالى، على قدر شأنه وعظيم منزلته عند الله سبحانه وتعالى، وعلى آله الطيبين الخيرة، وصحابته الكرام البررة، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛ معاشر المؤمنين والمؤمنات، فيقول النبي ﷺ:
«لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ»[1].
عباد الله؛ سبق الحديث في الخطبة الماضية عن عناية النبي ﷺ باقتصاد المسلمين وإنشاء السوق، وتحرير معاملاتهم من أكل أموال الناس بالباطل، وتتمة للموضوع نبين في هذه الخطبة قيمة المال في الإسلام وأهم مكاسبه ومصارفه.
هذا الحديث النبوي الشريف يبين بوضوح أن الإنسان يُسأل عن المال يوم القيامة من جهتين: من أين اكتسبه وفيما أنفقه، إلى جانب السؤال عن عمره فيما أفناه وشبابه فيما أبلاه وعلمه ماذا عمل فيه.
معاشر المؤمنين؛ إن المال ركن من أركان الدين، كما يتجلى في الزكاة، وركن من أركان الدنيا، لمَا كان عصب الحياة؛ ولذا اعتبره العلماء من الضروريات الخمس، التي لا تستقر الحياة بدونها، وبدون احترام حدودها. وتتجلى هذه الأهمية فيما يأتي:
أولا: أن المال مال الله، وإنما نحن مستخلَفون فيه، فلتكن تصرفاتنا على وفق مراد المستخلِف جل جلاله، لقوله تعالى:
﴿ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ لَهُمُۥٓ أَجْرٞ كَبِيرٌ﴾[2].
فقد ربط الله تعالى في هذه الآية بين الإيمان بالله ورسوله وبين الإنفاق من المال الذي استخلفهم فيه، فظهر جليا أن إنفاق المال في الوجوه المشروعة من العمل الصالح المرتبط بالإيمان الصادق.
وقال جل شأنه:
﴿وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ اِ۬للَّهِ اِ۬لذِےٓ ءَات۪يٰكُمْ﴾[3].
فإضافة المال إلى الله تعالى تعظيم لشأنه، وهو ما يجعل المؤمن يراقبه فيه في السر والعلانية.
ثانيا: أن المال قيمة مشتركة بين الناس، به قِوام حياتهم، وبه تُقضى مصالحهم، وتُنال حاجاتهم؛ لقوله تعالى:
﴿وَلَا تُوتُواْ ا۬لسُّفَهَآءَ امْوَٰلَكُمُ ا۬لتِے جَعَلَ اَ۬للَّهُ لَكُمْ قِيَماً﴾[4].
فهذه الآية تتحدث عن مال اليتامى، وتنهى عن إعطائهم مالهم إذا لم يحسنوا التصرف فيه، بل يرزقون منه ويُنفَقُ عليهم منه مع الرفق بهم.
لكن الآية أضافت المال للمخاطبين جميعا. باعتباره قوام حياتهم، وأن من لا يُحسن التصرف في المال يؤذي بسوء تصرفه الجميع:
﴿وَلَا تُوتُواْ ا۬لسُّفَهَآءَ امْوَٰلَكُمُ﴾
مع أن المال المقصود في الآية مال اليتامى غير الراشدين.
وكذلك في قوله تعالى:
﴿يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَاكُلُوٓاْ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِالْبَٰطِلِ﴾[5].
والمراد: ألا يأكلوا أموال بعضهم زورا واحتيالا وغشا ورشوة وسرقة وغير ذلك من وجوه الباطل.
وهذا كله يدل على قيمة المال في حياة الأمة، ووجوب حفظه من التضييع، وأن من لا يحسن التصرف لا يجوز إعطاؤه المال لما ينتج عنه من الضرر لنفسه وللمجتمع.
ثالثا: النهي عن الإسراف والتبذير في الأموال، كما ورد في كثير من الآيات، كقوله تعالى:
﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلَا تُسْرِفُوٓاْ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ا۬لْمُسْرِفِينَ﴾[6].
وقوله جل شأنه:
﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً اِنَّ اَ۬لْمُبَذِّرِينَ كَانُوٓاْ إِخْوَٰنَ اَ۬لشَّيَٰطِينِ وَكَانَ اَ۬لشَّيْطَٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُوراً﴾[7].
معاشر المؤمنين؛ من خلال ما تقدم تتجلى قيمة المال في الإسلام، وأن المسلم في معاملاته المالية إنما يتصرف فيما استخلفَ فيه، فعليه أن يكون حريصا على تقوى الله فيما يأتي وما يذر، فيكون بذلك زاهدا مما في أيدي الناس راغبا فيما عند الله تعالى، فيسْعَدُ ويُسعد غيره.
نفعني الله وإياكم بقرآنه المبين، وبحديث سيد الأولين والآخرين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد إمام المتقين، وأسوة الصادقين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله؛
الأمر الرابع: الحرص على كسب المال من حله وصرفه في حله، وهو أمر عظيم في الدين، وذلك لما فيه من السؤالين السابقين: من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟
فيجب على المسلم أن تكون مكاسبه من أبواب الكسب الحلال، وأهمها ما كان من كد اليمين وعرق الجبين؛ لقول النبي ﷺ:
«مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَاماً قَطُّ، خَيْراً مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ دَاوُدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ»[8]،
وذلك كالبيع والشراء وسائر المعاوضات المالية كالإجارة والاستصناع وسائر المعاملات التي يكون فيها أحد العوضين منفعة يقدمها طرف لآخر مقابل مبلغ من المال. فيكون المسلم فيها صادقا أمينا نصوحا لمن يتعامل معه.
ويحرص فيها رب العمل على أداء حق الأجير حسب المتفق عليه بينهما، لقول النبي ﷺ:
«أَعْطُواْ الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ»[9].
كما يحرص الأجير على أداء العمل بإخلاص وإتقان، مع الصدق والأمانة في مال الغير، لقول الله تعالى:
﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اِ۪سْتَٰجَرْتَ اَ۬لْقَوِيُّ ا۬لَامِينُ﴾[10].
أو من باب التبرعات مما تطيب به نفس المنفق والمتصدق على غيره، على سبيل التقرب إلى الله تعالى كالوقف والصدقة والإنفاق على المحتاجين، أو على سبيل التودد إلى الغير كالهبة وكل عطاء من أجل كسب القلوب وغرس المحبة فيها.
أما مصارف المال فيجب أن تكون في الواجب كالزكاة والنفقة على الأهل، أو ما ترتب في الذمة من الحقوق؛ إذ
«الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ»[11]،
ومن ذلك حق الوطن في حمايته وتنميته والمشاركة والتعاون فيما يعود عليه بالنفع العام أو التطوع كالتصدق بالمال على الفقراء والمساكين، وجميع أبواب الخير التي تتردد بين الواجب العيني والكفائي، والواجب الوقتي.
تلكم عباد الله؛ أهم توجيهات الدين الواجب احترامها في نعمة المال، بارك الله لنا ولكم فيما أعطى، وأغنانا بفضله عمن سواه.
هذا، وصلوا وسلموا على سيدنا محمد، فاللهم صل وسلم على عبدك ورسولك سيدنا محمد عدد خلقك، ورضى نفسك، وزنة عرشك، ومداد كلماتك، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن باقي الصحب أجمعين.
وانصر اللهم بنصرك المبين، وتأييدك المتين، من وليته أمر عبادك، مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك محمدا السادس نصرا تعز به الدين، واحفظه اللهم في صحته وعافيته، وأقر عين جلالته بولي عهده المحبوب صاحب السمو الملكي الأمير الجليل مولاي الحسن، مشدود الأزر بصنوه السعيد، الأمير الجليل مولاي رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة.
وارحم اللهم بواسع رحمتك الملكين الجليلين، مولانا محمدا الخامس، ومولانا الحسن الثاني، اللهم طيب ثراهما، وأكرم مثواهما، واجعلهما في مقعد صدق عندك.
اللهم أغننا بحلالك عن حرامك وبطاعتك عن معصيتك وبفضلك عمن سواك، اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
اللهم اغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا وسائر موتانا وموتى المسلمين وارحمنا إذا صرنا إلى ما صاروا إليه.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
[1] . سنن الترمذي، باب القيامة 4/612، ومعجم الطبراني الكبير 20/ 60، واللفظ له.
[2] . الحديد 7.
[3] . النور 33.
[4] . النساء 5.
[5] . النساء 29.
[6] . الأعراف 29.
[7] . الإسراء 26-27.
[8] . صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب كسب الرجل وعمله بيده 3/57. رقم الحديث بالمنصة 2657.
[9] . سنن ابن ماجة، كتاب الرهون باب أجر الأجراء 2/817. رقم الحديث بالمنصة 7428.
[10] . القصص 26.
[11] . صحيح البخاري، كتاب الإجارة، باب أجر السمسرة 3/92.




