الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحقيق الصلاح، مجلة دعوة الحق، العدد 454 بتاريخ ربيع الأول 1447/ شتنبر 2025؛
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحقيق الصلاح
ذ.سعيد بيهي
إن الإنسان مكـلف بعمارة الأرض على أساس المحافظة على الصلاح الذي خُلِقت عليه؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُواْ فِے اِ۬لَارْضِ بَعْدَ إِصْلَٰحِهَا﴾ (الأعراف: 55)، وما يستلزمه ذلك من مراعاة القواعد الممكنة من ذلك مما راكمه الحكماء عبر تاريخ عمارة الأرض؛ من مثل الاجتهاد في تقوية مؤهلات العمارة المناسبة لإنسانية الإنسان مما يدفع أسباب الفساد والمنكر بصورها المختلفة والتي منها:
- تصيير المنكر معروفا والصالح فاسدا؛ وذلك بواسطة الغش أو غيره؛
- إزالة ما في المعروف من المعروف وما في الصالح من الصلاح؛ مثل إفساد البيئة بالحرق أو الإسراف...؛
- إفساد النظام؛ والذي يحصل به الحفاظ على المصالح خاصة ما كان منها ضروريا؛ مثل إفساد النظام بالفتن والفوضى؛
- إفساد مساعي الخير؛ وذلك بمزاحمتها بما يُضادها؛ مثل تزيين الاضطراب والفوضى المفسدَين للأمن والاستقرار، وتكثير التحريف والانتحال والجهل المفسدة للعلم، وتزيين الشح والاستئثار المُفسدَين للبذل والتعاون...؛
قال العلامة ابن عاشور: « والبَعْدِيَّةُ في قَوْلِهِ: ﴿بَعْدَ إِصْلَٰحِهَا﴾ بَعْدِيَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ، لِأنَّ الأرْضَ خُلِقَتْ مِن أوَّلِ أمْرِها عَلى صَلاحٍ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ (فصلت:9) عَلى نِظامٍ صالِحٍ بِما تَحْتَوِي عَلَيْهِ، وبِخاصَّةٍ الإنْسان الَّذِي هو أشْرَفُ المَخْلُوقاتِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ عَلى الأرْضِ، وخَلَقَ لَهُ ما في الأرْضِ، وعَزَّزَ ذَلِكَ النِّظامَ بِقَوانِينَ وضْعَها اللَّهُ عَلى ألْسِنَةِ المُرْسَلِينَ والصّالِحِينَ والحُكَماءِ مِن عِبادِهِ، الَّذِينَ أيَّدَهم بِالوَحْيِ والخِطابِ الإلَهِيِّ، أوْ بِالإلْهامِ والتَّوْفِيقِ والحِكْمَةِ، فَعَلَّمُوا النّاسَ كَيْفَ يَسْتَعْمِلُونَ ما في الأرْضِ عَلى نِظامٍ يَحْصُلُ بِهِ الِانْتِفاعُ بِنَفْعِ النّافِعِ وإزالَةِ ما في النّافِعِ مِنَ الضُّرِّ وتَجَنُّبِ ضُرِّ الضّارِّ، فَذَلِكَ النِّظامُ الأصْلِيُّ، والقانُونُ المُعَزِّزُ لَهُ، كِلاهُما إصْلاحٌ (في الأرْضِ، لِأنَّ الأوَّلَ إيجادُ الشَّيْءِ صالِحاً، والَثانِي جَعْلُ الضّارِّ صالِحاً بِالتَّهْذِيبِ أوْ بِالإزالَةِ »(1)
1 . الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والارتباط بالتقوى
قال الله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ا۟خْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ اِ۬لْمُنكَرِ وَتُومِنُونَ بِاللَّهِۖ﴾ (آل عمران: 110)، دلت هذه الآية على خيرية هذه الأمة التي لا تنقطع ما دامت أسبابها قائمة؛ من الإيمان والعمل الصالح المعبر عن شقيه برا وتقوى - بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ مما يعطي للأمر بالمعروف والنهـيى عن المنكر دلالات مختلفة تؤول إلى معنى الحرص على تحقيق الدين إيمانا وعملا صالحا في خاصة النفس، وتواصيا لتحقيقه في الغير، وهو نفس معنى آيات سورة العصر، ولذا لا تكتمل صورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بربطه بالتقوى في مستوياته المتعلقة بالنفس، ثم بالغير بحسب مرتبته جماعة أو أمة.
أ . مستوى الأفراد والأمر بالمعروف والنهي عن النكر
ترسم الآية السابقة بمقتضى تلك الصفات صورة خيرية شاملة للأمة كلها بما فيها أفرادها، مع أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات التي لا تتعلق بالأفراد لقوله تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾ (آل عمران: 104)، وذلك لتنبه على أن معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المتعلق بالأفراد هو قبول مقتضيات القيام به، والمتمثلة في التحقق بالغاية منه في خاصة النفس بأن تكون عاملة بالمعروف راضية حصوله في الغير، منتهية عن المنكر كارهة حصوله في الغير؛ لحديث (( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده؛ فإن لم يستطع فبقلبه؛ فإن لم يستطع فبلسانه، وذلك أضعف الإيمان ))(2)؛ فقد حمل أهل العلم مراتب الإنكار على اختلاف مراتب الجهات المكلفة به؛ فللأئمة التغيير باليد، وللعلماء التغيير باللسان، وللأفراد التغيير بالقلب.
ومن قبول مقتضياته احترام كل ما يحقق غاياته من حصول المعروف الذي تستقيم به الحياة وتطيب، وزوال المنكر الذي تختل به الحياة وتفسد؛ فإن الوسائل تأخذ أحكام المقاصد، ومن أمثلته قبول القوانين المنظمة لمرافق الحياة بما يُحَصِّلُ منافعها باعتبارها معروفا، والحذر من مخالفتها المؤدي إلى استفحال آثارها باعتبارها منكرا من حيث ارتفاع كلفتها على مستوى الضروريات التي اعتنت بها الشريعة؛ من مثل حياة الأنفس، وأموال الأمة، وصحتها العقلية والبدنية، وطمأنينتها، احتراما ينبغي أن تحمل عليه التقوى، لا مجرد الخوف من العقاب أو التعرض للجزاءات عند مقارفتها.
ب . مستوى الجماعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ومن صور التقوى مراعاة مقتضيات الاجتماع الذي أذن الله به في صلته بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ذلك أن كل ما يُتوصل به إلى تحقيق قصد الشارع في سلامة الهيئة الاجتماعية بما يمكنها من إعانة الأفراد على أداء مهمة الاستخلاف مطلوب شرعا؛ قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَي اَ۬لْبِرِّ وَالتَّقْو۪يٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَي اَ۬لِاثْمِ وَالْعُدْوَٰنِۖ﴾ (المائدة: 3)، إعانة لا يُتصور حصولها إلا من خلال قبول الجماعة لما يحصل به انتظامها من قواعد منظمة حامية للأفراد، وهو الأساس الذي بنيت عليه كثير من النظم في تاريخ الإسلام مثل نظام القضاء، والحسبة، والوقف، والشرط...؛ إذ نعلم ما هيأته قواعدها - التي تطورت إلى قوانين مراعاة للسيرورة التاريخية - من سهولة الإقبال على فصل الخصومات، والاطمئنان لسهولة البياعات، والمسارعة إلى التحبيس لليقين برؤية آثاره في انتظام العبادة بانتظام دورها وأهلها، وسراية نفعها حتى إلى مجالات الاستشفاء...
ج . مستوى الأمة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وملاحظة لمعنى ارتباط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالتقوى على مستوى الأمة؛ فإن التكليف بهما تكليف للجهات التي نِيط بها تدبير الأمة أن تضع من السياسات الضرورية لتساكن مكوناتها من خلال ما تستلزمه من: إقامة الأمن والنظام...؛ ما يحقق جلب المصالح باعتبارها معروفا، ودفع المفاسد باعتبارها منكرا، والتي لا تتأتى إلا بإقامة منظومة مؤسساتية تُغطي القطاعات التي تشتد حاجة الناس إليها؛ من مثل قضايا الأمن، والنظام العام، وإصدار القوانين، والصحة؛ مما يتوقف على وازع السلطان الذي يَتَنَزَّل بواسطته الدين، وتُحفظ من خلاله مصالح المتدينين والناس أجمعين؛ قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ اُ۬للَّهَ وَأَطِيعُواْ اُ۬لرَّسُولَ وَأُوْلِے اِ۬لَامْرِ مِنكُمْۖ﴾ (النساء: 58)؛ قال العلامة ولي الله الدهلوي: «لما كان الإمام مَنْصُوباً لنوعين مِن المصالح اللذين بهما انتظام المِلَّةِ والمُدُنِ، وإنما بُعِثَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم لأجلهما، والإمامُ نائِبُهُ ومُنْفِذُ أَمْرِهِ؛ كانت طاعتُه طاعةَ رسول الله، ومعصيتُه معصيةَ رسولِ الله، إلا أن يأمر بالمعصية...»(3).
2 . الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والارتباط بضوابط الشريعة
ولا يعني التأسيس لمشروعية الأمر بالمعروف وتغيير المنكرات ترك الحبل على الغارب لكل من أراد ذلك، بل لابد من مراعاة شروطه كما جرت العادة في كل أحكام الشريعة، وذلك لأجل ما تقرر في أصول الفقه من ارتباط أي حكم تكليفي بشروطه؛ كما قال العلامة ماء العينين في نظمه للورقات:
« وَالأَمْرُ بِالشَّيْءِ اقْتَضَى لِشَرْطِهِ **** وَمَنْ فَـعَلْ يَخْرُجْ عَنْ عُهْدَتِهِ »(4)
ولذا لا يمكن أن نَتَصَوَّر وجود الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غَيرَ مُرتَبِطين بأسبابٍ، وشروط، وانتفاءِ موانعَ، ولأجل ذلك لزمنا أن نعرض على سبيل المثال بشيء من الاختصار حكم النهي عن المنكر في سياق شروطه التي تضبط فهمه من جهة، وتسدد العمل به من جهة أخرى.
إن وجوب تغييـر المنكر مثلا لا ينعقد أصلا فتصير ذِمَّةُ المكلف مشغولةً به حتـى يوجَد سَبَبُه ومُوجِبُه؛ ألا وهو العلم بوقوع المنكر؛ وهذا يستلزم شرط العلم بأن هذا الواقع الذي نريد إنكارَه مُنكرٌ شرعا، وهو مستلزم لشرط آخر ألا وهو العلم بما نهى الشارع عنه فجعله منكرا؛ حتى يكون إنكارنا على بينة؛ فلا ننهى عما لم ينه الشارع عنه، قال تعالى: ﴿قُلْ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيَ أَدْعُوٓاْ إِلَي اَ۬للَّهِۖ عَلَيٰ بَصِيرَةٍ اَنَا وَمَنِ اِ۪تَّبَعَنِےۖ﴾ (يوسف: 108)، ثم إن العلم بذلك الوقوع ينبغي أن لا يكون حاصلا بمحرم كتجسس أو غيـره، مع استحضار أن مراعاة مقصود الشارع من تغييـر المنكر الذي هو إزالته أو تقليله تقتضي تحريم تغييـره بمنكر أعظم منه، وهذا الشرط المجمع عليه يستلزم شرطا آخر في غاية الأهمية؛ وهو أن يكون المـُغَيِّرُ عارفاً بمراتب المنكرات لزوما، لأنه لا يتصور أن يُراعِي عدم تغييـر المنكر بأعظم منه إذا لم يكن عارفا بها وبمراتبها.
ثم إن من شروط تغييـر المنكر أيضاً الاستطاعةَ، وقد دل عليها تكرار قوله صلى الله عليه وسلم: “فإن لم يستطع” في حديث: « من رأى منكم منكرا فليغيـره...»(5)، بالإضافة إلى ضرورة استحضار ما تقرر عند أهل العلم من تعلق المنكر بما يتوقف على الإمام فيختص به، وغيرِ ذلك من الشروط. وقد جمع طائفة منها العلامة علي بن عبد الواحد الأنصاري السجلماسي في منظومته اليواقيت الثمينة فقال: «فائدة في شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
لِلأَمَرِ بِالعُرْفِ اعْلَمَنْ شُروطُ **** لا يَعْـتـَرِيهَـا أَبَـداً سُـقوطُ
وَهيَ: أَن يَكونَ عـالِماَ بِمَا **** بِـهِ لَهُ أَمْرٌ وَنَـهْيٌ لَــزِمَــا
وَلا يُؤَدِّي نَهْـيُهُ إِلَى مَـا **** يُـنْكِرُ أَكْـبَرَ فَـلا إِلْـزامَـا
وَظَنَّ أَنَّ أَمْرَهُ قَدْ يَـنْجَـعُ **** وَنَـهْيَـــهُ مُـؤَثِّــرٌ وَيَـــنْـفَـعُ
وَفَقْدُ الأَوَّلَيْنِ يَمْـنَــــعُ الجَـــوازْ **** وَيُسْقِطُ الوُجوبَ ثالثٌ وجَازْ
وَشَرْطُهُ ظُهورُ مَا قَدْ أَنْكَـــــــرَا **** دُونَ تَجَسُّسٍ وَلا بَـحْثٍ يُــرَى
مِثْلُ اسْتِراقِ السَّمْعِ واسْتِنْشاقِ **** الرِّيحِ فَاحْذَرْ مُوجِبَ الشِّـقاقِ
وَهْوَ عَلَى ذِي العِلْمِ بالْمَقـــــالِ **** وَالأُمَـرَا بِالفِعْــلِ وَالنِّـضـالِ
وَغَـيْـرِهِم بِالقَلْبِ وَهْــــوَ أَدْنَى **** عَمَلِ طَاعَةِ العَـبِـيدِ تُعْنــَى »(6)
والسر في اشتراط أن يكون المـُغَيِّرُ مِن وُلاة الأمر - عند تغييـر المنكر باليد المـُؤَدِّي إلى النِّضَال والمـُدافَعَة - أنه أحياناً قد يُؤَدي إلى انْتِصابِ من يُنْكَرُ عليه للقتال وحمله للسلاح؛ فيكون من باب ما يفتقر إلى الإمام لأن تركه للناس يُفضي إلى الفتن والشحناء كما قرره العلامة القرافي فيما يفتقر للإمام، ولْيُتَأمل قول العلامة اللّقاني: « لآحاد الرعية أن يغيـر المنكر بالقول والفعل، لكن إذا انتهى الأمر إلى نَصْبِ القِتال وشَهْرِ السِّلاح؛ رُبِطَ بالسُّلطان حَذراً من الفتنة »(7).
إنها شروط تستدعي مراعاة السيرورة التـي تكشف عن تجليات المعروف والمنكر في صورهما الجديدة فيما يرجع إلى الأفراد أو الجماعة أو الأمة؛ مما يستلزم استمرارية تطوير الرؤية بما يحقق مقصود الشارع من وجود نظام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، رؤية تدفع تحويل نظام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى فوضى التدين به بسبب فساد التمثل أو سوء الاستعمال.
________________________________________
- (1) . التحرير والتنوير 8 /174 - 175.
- (2) . رواه مسلم في صحيحه، رقم 49.
- (3) . حجة الله البالغة 2 /461.
- (4) . منظومة «الأنفس في الأنظام لورقات علم الأعلام»، مخطوط خاص.
- (5) . تقدم تخريجه.
- (6) . شرح اليواقيت الثمينة فيما انتمى لعالم المدينة في القواعد والفوائد الفقهية، لمحمد السجلماسي، 2 /860.
- (7) . هداية المريد شرح جوهرة التوحيد، ص:476.




