النسخة المكتوبة
الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين وإماما للمتقين وعلى آله وأصحابه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
إخواني الأئمة الفضلاء؛
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أتحدث إليكم سادتي في هذه الحصة المباركة بحول الله وعونه وتوفيقه ويمنه حول:
” الإمام وهموم جماعة المسجد (تابع)”
أيها الفضلاء؛
ورد في الأثر:” «مَنْ لَمْ يَهْتَمَّ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ، وَمَنْ لَمْ يُصْبِحْ وَيُمْسِ نَاصِحًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِكِتَابِهِ ولإِمَامِهِ ولِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ».
وإن من جملة الأمور التي يتأكد الحديث عنها ما يتعلق بـ:
ثقافة الحوار:
فهذا النوع من الثقافات يعتبر ضابطا مهما في إنجاح أي حوار لفض النزاع وفك المشكلات ولاسيما المشكلات الأسرية. وهي ركيزة أساسية للنهوض بالرقي الفكري والحضاري لدى الأسر خاصة، لكونها ترتكز على أسس تربوية وأخلاقية عالية، فلا بد ممن يتصدر مهمة الإصلاح أن يتشبع بـ:
– الصدق:
لأنه منجاة، فقد ورد عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: “فإن الصدق طمأنينة” [رواه الترمذي]
فالصدق طمأنينة، لأن صاحبه لا يندم أبدا، ولا يقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما قلت كذا أو فعلت كذا، لأن الصدق منجاة، والصادقون ينجيهم الله بصدقهم، وتجد الصادق دائما مطمئنا؛ لأنه لا يتأسف على شيء حصل أو شيء يحصل في المستقبل؛ لأنه قد صدق، و”من صدق نجا”. ولذلك أكد القرآن الكريم صحبة الصادقين، ومرافقة الصديقين في غير ما آية، مثل قوله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ اُ۪تَّقُواْ اُ۬للَّهَ وَكُونُواْ مَعَ اَ۬لصَّٰدِقِينَۖ} [التوبة: 120].
– التواضع:
فهذا الخلق يجعل المتصف به خاضعا لله تعالى، أقصد خضوع القلب، الذي ينعكس على المظهر، فتجلو الهيبة والوقار، وهو مدعاة لاحترام الناس له، وتوقيره، ومن ثم سماعِ النصح منه.
كما يتصف المتواضع بلين الجانب وخفض الجَناح للذين يعاشرونه. فالذي يظهر فيه التعالي على الناس والتكبر عليهم يتركونه ويكون محل الفرار والتوحش، لا القرب والأنس، فمثل هذه الصفات مذمومة في الإنسان العادي فما بالك بمن يتصدر مجالس العلم والذكر ويتزعم الإصلاح بين الناس؟ فهل من فائدة ترتجى ممن كانت هذه صفته؟
ولذلك وجب ترك الصفات الذميمة والتخلي عنها، والتحلي بالتواضع، الذي هو صفة أساسية للمؤمن يرفع الله بالمتصف به درجات.
ومن تجليات التواضع أنه يظهر في لين الجانب مع الصغار وحتى الكبار، وكذلك مع الأهل.
– حسن استثمار الأدلة والحجج والبراهين:
وذلك بقصد الإقناع، لأن الأحوال كالتواضع ولين الجانب لا تكفي لإقناع المخاطَب، ولاسيما إذا ظهر عليه ما يستحق اللوم، على أن يقدم هذه الحجج بأسلوب جذاب، وقد أمر به القرآن الكريم إذ قال: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناٗۖ} [البقرة: 82]، ومن لطائف هذه الآية أنها وردت في معرض جملة من الأوامر المتعلقة بتوحيد الله والبر بالوالدين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والعناية بذوي القرابة، والأيتام، والمساكين، قال جل في علاه: {وَإِذَ اَخَذْنَا مِيثَٰقَ بَنِےٓ إِسْرَآءِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اَ۬للَّهَۖ وَبِالْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰناٗ وَذِے اِ۬لْقُرْب۪ىٰ وَالْيَتَٰم۪ىٰ وَالْمَسَٰكِينِۖ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناٗۖ وَأَقِيمُواْ اُ۬لصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ اُ۬لزَّكَوٰةَۖ} [البقرة: 82].
فالإحسان مطلوب في كل شيء، وهنا تأكد الأمر بالإحسان في القول: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناٗۖ}، قال العلامة الطاهر ابن عاشور” وَجَعَلَ الْإِحْسَانَ لِسَائِرِ النَّاسِ بِالْقَوْلِ لِأَنَّهُ الْقَدْرُ الَّذِي يُمْكِنُ مُعَامَلَةُ جَمِيعِ النَّاسِ بِهِ وَذَلِكَ أَنَّ أَصْلَ الْقَوْلِ أَنْ يَكُونَ عَنِ اعْتِقَادٍ، فَهُمْ إِذَا قَالُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا فَقَدْ أَضْمَرُوا لَهُمْ خَيْرًا وَذَلِكَ أَصْلُ حُسْنِ الْمُعَامَلَةِ مَعَ الْخَلْقِ، قَالَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ». وَقَدْ عَلَّمَنَا اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: {وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا} [الْحَشْر: 10]، عَلَى أَنَّهُ إِذَا عَرَضَ مَا يُوجِبُ تَكَدُّرَ الْخَاطِرِ فَإِنَّ الْقَوْلَ الْحَسَنَ يُزِيلُ مَا فِي نَفْسِ الْقَائِلِ مِنَ الْكَدَرِ وَيَرَى لِلْمَقُولِ لَهُ الصَّفَاءَ فَلَا يُعَامِلُهُ إِلَّا بِالصَّفَاءِ[1].
– وجوب احترام الرأي الآخر:
هذا من ثقافة الإمام، كونه يتقبل الرأي المخالف، فهذا يعني أنك – أخي – مستوعب للوضعية المطروحة للنقاش، وعارف بأحوالها، ومطلع على خفاياها، بطريقتك الخاصة. ذلك أن سعة صدر المبلِّغ مئنة من فقهه، كما يقال في مواضع أخرى.
ولا بد من التذكير أن هذه الثقافة نابعة من المنهج القرآني، والتربية النبوية، بل علمنا القرآن الكريم كيفية استدراج المخالف، بالتسليم بما في ذهن الخصم، وهي اعتبار أنك على خطأ، حتى يفسح لك المخالف المجال، ليسمع منك حججك، وسيقتنع المنصف والعاقل السوي. ففي قوله تعالى: {وَإِنَّآ أَوِ اِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدىً اَوْ فِے ضَلَٰلٖ مُّبِينٖۖ ٢٤ قُل لَّا تُسْـَٔلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْـَٔلُ عَمَّا تَعْمَلُونَۖ ٢٥ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّۖ وَهُوَ اَ۬لْفَتَّاحُ اُ۬لْعَلِيمُۖ} [سبأ: 25، 26]، ما يفيد ما ذكر. وقد قال المفسرون: ففي الآيات استعارات ومحسنات بديعية وأسلوب بياني، وحجة قائمة.
ومن أمثلة السنة والسيرة العطرة قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي الوليد“أفرغت يا أبا الوليد؟” ذلكم أنه لما قام عُتْبَةُ وجَلَسَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي إِنَّكَ مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتَ مِنَ السِّطَةِ [الشطر، الأصل] فِي الْعَشِيرَةِ وَالْمَكَانِ فِي النَّسَبِ، وَإِنَّكَ قد أتيت قَوْمك بِأَمْر عَظِيم … آخره. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” يَا أَبَا الْوَلِيد أسمعُ “. قَالَ: يَا بن أَخِي إِنْ كُنْتَ إِنَّمَا تُرِيدُ بِمَا جِئْتَ بِهِ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ مَالًا جَمَعْنَا لَكَ من أَمْوَالًا حَتَّى تَكُونَ أَكْثَرَنَا مَالًا، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ شَرَفًا سَوَّدْنَاكَ عَلَيْنَا حَتَّى لَا نَقْطَعَ أَمْرًا دُونَكَ، وَإِنْ كُنْتُ تُرِيدُ بِهِ مُلْكًا مَلَّكْنَاكَ عَلَيْنَا، وَإِنْ كَانَ هَذَا الَّذِي يَأْتِيكَ رَئِيًّا تَرَاهُ لَا تَسْتَطِيعُ رَدَّهُ عَنْ نَفْسِكَ طَلَبْنَا لَكَ الطِّبَّ وَبَذَلْنَا فِيهِ أَمْوَالَنَا حَتَّى نُبْرِئَكَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا غَلَبَ التَّابِعُ عَلَى الرجل حَتَّى يتداوى مِنْهُ. حَتَّى إِذَا فرغ عتبَة قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” أَفَرَغْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ؟ ” قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: اسْمَع مِنِّي. قَالَ: أَفْعَلُ. فقرأ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” آيات من صدر فصلت، ” حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاته قُرْآنًا عَرَبيا لقوم يعلمُونَ ” فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَؤُهَا، فَلَمَّا سَمِعَ بِهَا عُتْبَةُ أَنْصَتَ لَهَا، وَأَلْقَى بِيَدَيْهِ خَلْفَهُ أَوْ خَلْفَ ظَهْرِهِ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِمَا لِيَسْمَعَ مِنْهُ. حَتَّى انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى السَّجْدَةِ فَسَجَدَهَا ثُمَّ قَالَ: ” سَمِعْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ؟ ” قَالَ: سَمِعْتُ[2].
أيها الفضلاء؛
إن هذا الأسلوب يعتبر وسيلة ناجعة لإظهار الحق، وإقناع الخصم، وحل المشكلات، والقضاء على النزاعات، أو الحد منها، على الأقل.
فالحديث عن إسهام الإمام في الإصلاح وإحياءِ دوره فيه ليعتبر من الفضائل المرجو تحققُها، ومن النفعِ العام المنتظر جني ثماره، حتى تسهم – أخي الفاضل – في الاستقرار الأسري، ومن خلاله استقرار المجتمع، وأنت تتمتع بإنجازاتك القيمية التي يسجلها له الملَك في صحيفتك، كما يسجل لك التاريخ عطاءاتك وخدماتك لصالح مجتمعك، خاصة حينما تكون – أخي – قدوةً أمام المجتمع الذي تؤدي فيه مهمتك العظيمة “مهمة الخطابة والإمامة“، المتوَّجةَ بالدعوة إلى الخير والإحسان والعناية بذوي القرابة والنهي عن إتيان المحرمات، لعل اللهَ تعالى ينفع بصالح عملك، دنيا وأخرى. وهذا ما تصبو إليه خطة تسديد التبليغ، التي ننخرط فيها جميعا بروح المسؤولية أمام الله والتاريخ.
وفي الختام أسأل المولى عز وجل أن يسدد خطوات عملكم وأقوالكم وينفعَ بكم وبصالح دعواتكم البلاد والسلطان، متوسلين جميعا برفع أكف الضراعة إلى المولى جلت قدرته أن يحفظ ويرعى بالحفظ والرعاية مولانا السلطان رئيس المجلس العلمي الأعلى ويبارك في عمره، ويمتعه بنعمة العافية. إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير.
وصل اللهم وسلم على البشير النذير والسراج المنير سيدنا ومولانا محمد صاحب المعراج، وحامل اللواء والتاج، وعلى آله وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. آمين.
والحمد لله رب العلمين.




