النسخة المكتوبة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي أسس قواعد الإسلام وأرسل إلينا خير الأنام صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
أيها السادة الأئمة الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
في حصة هذا اليوم – باختصار وتيسير – نتناول الجزء الثاني من طرائق الفقهاء في التأليف في القواعد الفقهية، ومن باب التذكير والإيضاح نعيد ما سيق ذكره فيما مضى تذكيرا به لنرتب عليه ما بقي منه فنقول:
إن القواعد الفقهية منثورة في مصادر المذهب من الأمهات: المدونة والموازية والواضحة والعتبية وغيرها من مصادر المذهب ودواوينه التي يعتمد عليها المتأخرون في صياغة القواعد.
فهي وإن لم ترد فيها بالصيغ المعهودة أحيانا فإنها مبثوثة واردة بصيغ يدركها المتأمل من خلال عبارات التعليل الفقهي بالمعنى الأعم، كما أنها لم تفرد بالتأليف لكنها موجودة مستحضرة في الأذهان وإن لم تبرز للتخصيص بالبنان.
بل إن من النصوص الشرعية ما هو جار مجرى القواعد، وهو نوع يسمى التقعيد بالنص، مثل “لا ضرر ولا ضرار” ومثل: “الخراج بالضمان” وهو ما حذا حذوه الفقهاء من خلال صياغة القواعد الكلية الجامعة لعدد من الفروع الفقهية.
وفيما يلي إشارة موجزة لأهم طرائق التأليف في القواعد بعد التذكير بما سبق:
الطريقة الأولى: المزج بين القواعد والضوابط الفقهية وذكر الخلاف في الفروع المندرجة فيها مع مراعاة الأبواب الفقهية، وبيان شواهد القواعد من خلال أقوال أئمة المذهب.
وهي طريقة العلامة محمد بن حارث الخشني المتوفى خلال العقد السابع بعد الثلاثمائة، فكتابه المسمى “أصول الفتيا في الفقه على مذهب الإمام مالك” أعلق بالفروع منه بالقواعد مع أنه مضمن قواعد وكليات فقهية في نيف وستين بابا.
وكتابه يعد من أقدم الكتب التي تصنف ضمن المؤلفات في القواعد الفقهية.
وتسمية مضمونه أصول الفتيا جارية على إطلاق الأصول على القواعد لاسيما الأصولية والفقهية الكبرى لشبهها بالأدلة لاطرادها وشهرة أصولها، كما أن إطلاق الأصول على معتمد الأقوال في المذهب عرف جار بين أئمة المذهب، وأيضا لأن أقوال المجتهدين كالأدلة الشرعية للمقلدين.
والشاطبي يقول: “أقوال العلماء بالنسبة إلى العامة كالأدلة بالنسبة إلى المجتهدين.”[1]
ويقول أيضا: “فتاوى المجتهدين بالنسبة إلى العوام كالأدلة الشرعية بالنسبة إلى المجتهدين …” إلى أن قال: “والمقلد غير عالم؛ فلا يصح له إلا سؤال أهل الذكر، وإليهم مرجعه في أحكام الدين على الإطلاق، فهم إذن القائمون له مقام الشارع، وأقوالهم قائمة مقام أقوال الشارع.”[2]
ومن العبارات المحتملة لإطلاق الأصول بمعنى الروايات ما جاء في الجامع لابن يونس بعد كلام: “…لأن كثيرا في أصولنا أن نجعل القليل تبعاً للكثير، ولكن القياس ما قدمنا.”[3]
وفي تنبيهات القاضي عياض: وأنكر محمد بن مسلمة نقده عن الطعام غيره، ورأى ذلك من بيعه قبل قبضه، وقد اعتذر عنها شيوخنا، وتأولوها بما هو منصوص في أصولنا الشارحة.[4]
وعلى أي حال فللكتاب أثر بين في كتب فقهائنا، وعليه عول غير واحد من المحققين في جمع القواعد والكليات وتقرير مسائلها، ومن أشهر المتأثرين به العلامة الفقيه المقرئ ابن غازي المكناسي رحمه الله في كلياته الفقهية لما بين الكتابين من تشابه في العبارة أحيانا.
الطريقة الثانية: الجمع بين القواعد الفقهية والفروق الفقهية والقواعد الأصولية واللغوية الخادمة للصنفين من القواعد مع خلط بينها بعلاقة رابطة أحيانا، وأحيانا بمراعاة التكامل المعرفي الأساسي لدى الفقيه.
وهي طريقة الإمام القرافي في كتابه: الفروق، والظاهر أن الإمام القرافي رحمه الله كان يدون الفروق والقواعد وغيرها حسب ما يرد عليه من الإشكالات ليعود لترتيبه وتهذيبه فلم يكتب له ذلك.
وهذا شيء ادّخره الله للإمام البقوري الذي كتب كتاب تهذيب الفروق وتلخيصها والاستدراك عليها.
والدليل على أن طريقة الفروق ليست الطريقة المنهجية في ترتيب الأفكار عند القرافي رحمه الله أنه في كتاب الذخيرة وغيره من كتبه الأخرى ذو منهج دقيق محكم شكلا ومضمونا.
الطريقة الثالثة: تجريد القواعد والضوابط الفقهية بذكر صيغها المحكمة الموجزة ثم التعليق عليها بذكر الأمثلة التطبيقية والنظائر الفقهية أحيانا والإشارة للمستثنيات مع مراعاة الأبواب الفقهية.
ومن المؤلفات على هذه الطريقة:
ü ترتيب فروق القرافي وتلخيصها والاستدراك عليها؛
ü قواعد الفقه للإمام المقري؛
ü اليواقيت الثمينة فيما انتمى لعالم المدينة، في القواعد والنظائر والفوائد الفقهية؛
ü المنهج المنتخب إلى قواعد المذهب للزقاق. (…)
الطريقة الثالثة: سرد القواعد الفقهية باعتماد ترقيم متسلسل من دون عناوين الأبواب الفقهية.
وهذه طريقة الإمام الونشريسي في إيضاح المسالك.
الطريقة الرابعة: ترتيب القواعد الفقهية حسب كثرة الفروع وسعة الشمول والعموم بتقديم القواعد الخمس الكبرى ثم ما يليها وذكر الأشباه والنظائر والفروق الفقهية والألغاز الفقهية عند بعضهم مع تغليب مصطلحي الأشباه والنظائر في التسمية للكتاب.
وهي طريقة أصحاب الكتب المسماة ” الأشباه والنظائر” كالإمامين ابن السبكي وجلال الدين السيوطي وغيرهما رحمهم الله تعالى، على أن كتاب السبكي أضاف ملحقا في قضايا عقدية كلامية ذات صلة بفروع فقهية.
الطريقة الخامسة: ترتيب القواعد الفقهية على الحروف الألفبائية.
وهي طريقة سار عليها البدر الزركشي في كتابه: “المنثور في القواعد” ولعله أول من سلك هذه الطريقة قبل أن ينحو نحوه بعض المعاصرين، وممن سار على ذلك بعض المعاصرين حين ذكر قواعد فقهية وفق هذا الترتيب.
ونكتفي بهذه الإشارات المغنية عن كثير من العبارات.
فاللهم اجمع الجوامع وامنع الموانع.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
[1] الموافقات 5/68
[2] الموافقات 5/336 باختصار ولينظر باقي كلامه.
[3] الجامع لابن يونس 10/766
[4] التنبيهات المستنبطة للقاضي عياض 3/1224


