بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه
خطبة ليوم 8 شوال 1447هـ الموافق لـ 27 مارس 2026م
«اَلسِّيرَةُ النَّبَوِيَّةُ مَصْدَرٌ لِتَدْبِيرِ الشَّأْنِ الْعَامِّ»
1- بِنَاءُ الْـمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي خص المساجد بإضافتها إليه، وجعلها مأوى للوِفَادة عليه، نحمده تعالى على نعمه، ونشكره على فضله ومزيد كرمه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، الهادي إلى صراطه المستقيم، صلى الله وسلم عليه وعلى آله الطيبين الأبرار، وصحابته الكرام الأخيار، ومن سلك نهجهم واتبع طريقهم ما تتابع الليل والنهار.
أما بعد؛ أيها المؤمنون والمؤمنات، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم يوم نزل المدينة وهو على ناقته:
«يَا أَيُّهَا النَّاسُ؛ أَفْشُواْ السَّلَامَ، وَأَطْعِمُواْ الطَّعَامَ، وَصِلُواْ الْأَرْحَامَ، وَصَلُّواْ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ»[1].
عباد الله؛ بهذه الكلمات المباركات افتتح النبي صلى الله عليه وسلم، مشروعه الرسالي والحضاري في المدينة المنورة، وكل جملة منها تعني الشيء الكثير من أجل إصلاح المجتمعِ وتحقيق تماسكه، حيث يسود فيه السلم والإيثار والمحبة وصلة الأرحام.
إذ المعلوم من شريعة الإسلام أنها جاءت لتحقيق مصالح العباد في الدنيا والدين والآخرة؛ وهذا ما تسعى إلى ترسيخه «خطة العلماء من أجل تسديد التبليغ» في بيان أن الدين للحياة، ولا يتم ذلك إلا إذا فهمنا كيف دبر الرسول صلى الله عليه وسلم الشأن العام لتحقيق مصالح العباد.
وسيكون الكلام اليوم عن بناء المسجد النبوي كخطوة أولى في ترسيخ أسس المجتمع المدني الذي أنشأه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبرز معالمهُ، والذي شهد له التاريخ بالنجاح الباهر في تحقيق الأمن بكل أنواعه لسكان المدينة المنورة على اختلاف معتقداتهم.
عباد الله؛ لقد كان أول ما بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم من الأعمال لما نزل بالمدينة المنورة هو بناء المسجد النبوي، وقد شارك بنفسه الشريفة في بنائه، كما شارك فيه أصحابه؛ وذلك من أجل أن يكون هناك مكان للمسلمين يستوي فيه حضورهم، لا فضل لأحد فيه على الآخر إلا بتقوى الله.
وذلك حتى يؤدي المسجد وظائف متعددة في حياة الناس، تبدأ بالصلاة الجماعية، وتعليم أمور الدين، وتحفيظ القرآن الكريم، والفصل بين المتنازعين، وجمع الصدقات والزكوات، ومعالجة المرضى، واستقبال الوفود، وغيرها من الوظائف التي صارت فيما بعد لها أماكنها الخاصة ومقراتها المختصة، فاعتُبرَ المسجد في الإسلام أمّ المؤسسات.
ومن تأمل في كتب السيرة والحديث، علم أن المسجد كان يحتضن شؤون الحياة كلَّها؛ ففيه كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس، ويحثهم على حضور صلاة الجماعة لاغتنام ما فيها من الفضل والثواب، وفي الوقت نفسه يسأل عمن غاب منهم، ويزور مريضهم المنقطع عن الصلاة، ويواسي ذا الحاجة ويقضي حاجته، ويقوِّم سلوكهم بالحكمة والموعظة الحسنة.
كما كان صلى الله عليه وسلم يجمعهم فيه في الظروف الاستثنائية في غير وقت الصلاة -إذا كان ما يهدد أمن المدينة واستقرارها-، ويجهز الجيوش لحماية الوطن داخل المسجد، ويأمر الصحابة بالإنفاق عند الحاجة فيستجيبون له، ويحثهم أن يكونوا على كلمة سواء فيما يتعلق بالشأن العام والقضايا الجامعة، كما في قوله صلى الله عليه وسلم:
«وَاعْلَمُواْ أَنَّ الْقُلُوبَ لَا تُغَلُّ عَلَى ثَلَاثٍ
–أي: لا يخالطها غش ولا نفاق مع وجود الشروط الثلاثة-:
إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَمُنَاصَحَةُ أُولِي الْأَمْرِ، وَعَلَى لُزُومِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ»[2].
وفيه كان ﷺ ينظر في القضايا بين الخصوم في المسجد ويقوم بإصلاح ذات البين، ويحذرهم من الظلم، ومن أكل مال الغير بالباطل، كما روى البخاري وغيره عن أم سلمة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ»[3].
والأمثلة كثيرة، بل ما من شأن من شؤون الحياة إلا وللمسجد له فيه نصيب؛ كمجلس للاستشارة، وقسمة الأموال، واستقبال الوفود، ومعالجة المرضى، واتخاذ جزء منه لأهل الصفة أضياف الإسلام، وغير ذلك كثير، حتى صار بحق مركز تدبير الشأن العام.
وهكذا -معاشر المؤمنين-، كان المسجد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم هو المؤسسة الرسمية التي تدار فيها شئون الدولة بكل ما تعني الكلمة من معنى، ومنها أشع نور الحق على العالمين.
نفعني الله وإياكم بقرآنه المبين، وبحديث سيد الأولين والآخرين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من بعث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها المؤمنون والمؤمنات؛ يقول الله تعالى:
﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَٰجِدَ اَ۬للَّهِ مَنَ اٰمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ اِ۬لَاخِرِ وَأَقَامَ اَ۬لصَّلَوٰةَ وَءَاتَى اَ۬لزَّكَوٰةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اَ۬للَّهَ فَعَس۪ىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ أَنْ يَّكُونُواْ مِنَ اَ۬لْمُهْتَدِينَ﴾[4].
في هذه الآية الكريمة تنويه بالمساجد، وتعظيم لشأنها، وإشادة بشأن أهلها وعُمَّارها، ووسمهم بالإيمان والفلاح.
وهكذا -عباد الله-، كان المسجد في زمن النبوة أصل العمران، ومنبع البيان، ثم لما تطورت حياة المسلمين، انبثقت عنه مؤسسات عدة، كل في تخصص معين.
وبقي المسجد محتفظا بدوره الأساس؛ في جمع الكلمة، والقيام بصلاة الجماعة من أجل المحافظة على وحدة الجماعة، وتأليف القلوب، وتربية النفوس، والقيام بواجب التبليغ والبيان، والنصيحة للناس، وتربيتهم على التدين السوي، والخلق السني.
ولا بد أن يُنظَر اليوم إلى آثار هذا البيان والتبليغ في حياة الناس اليومية؛ هل له أثر فيها أم هناك نقص ينبغي أن نعمل جميعا على تداركه؟
ولا بد أن نستحضر أن المراد من الصلاة وخطبة الجمعة والموعظة، أن يحقق للناس الحياة الطيبة، وأن يسعدوا بها كما سعد الصحابة الكرام، زمن النبوة.
فيستوحي كل واحد منا من المسجد ما يصلح به شأنه في وظيفته وأسرته ومجتمعه ودولته، وفي أي مكان وزمان أو حال ومقام.
ونستفيد -معاشر المؤمنين- من هذا الهدي النبوي أمرين كبيرين:
- الأول: أن الدين للحياة، ولذلك كان أصل جميع التدابير اليومية من المسجد.
- الثاني: أن المسلم يراقب الله تعالى في جميع أحواله وأعماله ووظائفه التي يمارسها، وهو بذلك ملزم بتقوى الله فيها إخلاصا وإتقانا.
تلكم -عباد الله- هي غاية «خطة تسديد التبليغ»، والتوجيه الملكي السامي من دراسة السيرة النبوية، حتى نقتبس من الهدي النبوي ما يسعدنا دنيا وأخرى.
هذا؛ وصلوا وسلموا على معلم الناس الخير سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فاللهم صل وسلم على سيدنا محمد، عدد خلقك ورضى نفسك وزنة عرشك ومداد كلماتك. وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن باقي الصحب أجمعين. وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين يا رب العالمين.
وانصر اللهم من وليته أمر عبادك، وبسطت يده في أرضك وبلادك، مولانا أمير المؤمنين، جلالة الملك محمدا السادس، نصرا تعز به أولياءك، وتذل به أعداءك، اللهم بارك له في الصحة والعافية، واحرسه واشمله بألطافك الخفية، وأقر عين جلالته بولي عهده المحبوب، صاحب السمو الملكي، الأمير الجليل مولاي الحسن، وشد أزره بشقيقه السعيد، الأمير الجليل مولاي رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة، إنك سميع مجيب.
وارحم اللهم بواسع رحمتك وعظيم جودك الملكين الجليلين، مولانا محمدا الخامس، ومولانا الحسن الثاني، اللهم طيب ثراهما، وأكرم مثواهما، واجعلهما في مقعد صدق عندك.
اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، وتوفنا غير خزايا ولا مفتونين. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من عبادك الراشدين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
[1] – أخرجه الإمام الدارمي في مسنده 2/915 وابن أبي شيبة في مصنفه20/147 والإمام أحمد في مسنده39/201 والترمذي في جامعه3/431 والإمام ابن ماجه في سننه1/423 والحاكم في مستدركه 4/176.
[2] – سنن الدارمي، المقدمة باب الاقتداء بالعلماء 1/301.
[3] – صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب موعظة الإمام للخصوم، 9/69، والموطأ، كتاب الأقضية باب الترغيب في القضاء بالحق2/719. رقمه في المنصة 5718 و2892.
[4] – التوبة 18.




