جارٍ تحميل التاريخ...

خطبة الجمعة :”أَثَرُ الصِّيَامِ فِي تَقْوِيَةِ الْإِيمَانِ وَإِتْقَانِ الْعَمَلِ” ليوم 1 أو 2 رمضان الأبرك 1447 هـ الموافق ل 20 فبراير 2026 م

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه

خطبة ليوم 1 أو 2 رمضان الأبرك 1447هـ الموافق لـ 20 فبراير 2026 م

«أَثَرُ الصِّيَامِ فِي تَقْوِيَةِ الْإِيمَانِ وَإِتْقَانِ الْعَمَلِ»

الحمد لله الذي أكرمنا بشهر رمضان، وأودع فيه من الأسرار ما يكون سببا في تقوية الإيمان، وترسيخ معاني الإخلاص وحمل النفس على العمل مع الإتقان، اِتباعا لسنة سيد ولد عدنان، وطاعة لله ربنا الرحمن، عليه سبحانه التكلان، نحمده تعالى على غَزِيرِ الفضل وكثير الإحسان، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في كُلِّ شانٍ، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أضاءت بعثته الأكوان، وأحيت سنته المهج والأرواح من بني الإنسان، بلغ القمة في الكمال والجمال والإحسان، صلى الله وسلم عليه وعلى آله الطيبين البررةِ الذين محبتهم من الإيمان، وأصحابه الميامين الخيرةِ أولي العرفان، وعلى التابعين لهم بإحسان.

أما بعد؛ أيها المؤمنون والمؤمنات، فيقول الباري جلَّ وعلا في محكم تنزيله وأصدق قيله:

﴿يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ا۬لصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَي اَ۬لذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[1].

عباد الله؛ في هذه الآية الكريمة ربط الحق سبحانه وتعالى فريضة الصيام بالإيمان والتقوى؛ وفي ذلك تنويه بالصائمين، ودعوةٌ لهم إلى تقوية إيمانهم وتنميتِه بالتَّقوى التي هي ثمرة الصيام والصلاة والزَّكاة والحج وغيرها من العبادات والطاعات؛ إذْ غايةُ كُلِّ عبادةٍ أن تَصِلَ بصاحبها إلى اكتسابِ مَلَكَةِ التقوى والمراقبة الدائمة ومحاسبة النفس على الأمر الصغير والكبير، بل وحتى على الأفكار والخواطر.

ولذلك افتُتحت آيات الصيام بالترغيب في التقوى، واختُتمت بها في قوله تعالى:

﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ا۬للَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾[2].

والتقوى كما فسرها العلماءُ هي امتثالٌ واجتنابٌ في الظاهر والباطن، وفي السِّرِ والعَلَنِ؛ وبها يَصِلُ المؤمن من باب الصيام إلى المعنى المراد بقوله تعالى في الحديث القدسي:

«كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ»[3].

ففي هذا الحديث القدسي الجليل يُبين الحق جل جلاله، خصوصية الصيام؛ إذ إن كُلَّ عملٍ يَعْمَلُهُ ابن آدم فهو لهُ، قد يَقْصِدُ به وجه الله، وقد يقصد به غير ذلك، إلا الصيام فهو سر بين العبد وربهِ، ولا يحتمل الرياءَ ولا السمعة، وإنما هو عبادة قائمة على الإخلاص، ولذا كان جزاؤه أيضا سرا بين العبد وربه، ولا يعلم قدر ثوابه إلا الله تعالى.

وهكذا هي بعض الأعمالِ؛ حين يُخفيهَا صاحبهَا يكون الجزاءُ عليها أعظمَ والبركة فيها أمكنَ، كما في قيام الليل والناس نيام، لقوله تعالى:

﴿تَتَجَافىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ اِ۬لْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾[4].

فإذا أحسَّ المسلم أن الله تعالى وحده هو المطلع على صيامه، ازدادَ إيمانهُ وقَوِيتْ صلته بالله تعالى، واكتسب ملكة المراقبة التي يربي الصيام الناس عليها، كما يورث محاسبةَ النفس على أنفاسها، واستدامةَ الذكر بالقلب واللسان وسائر الجوارح.

وتلك هي رسالة الصيام ومغزاه، فهو عبادة كَفٍّ وإمساكٍ، لا على شهوة الطعام وحدها بل تدريب على اجتناب المُحَرَّمَاتِ، والإمساك عما لا يحل من أموال الناس وأعراضهم ودمائهم، إذ إن تحريم المباح من طلوع الفجر إلى غروب الشمس وسيلةٌ إلى ترك المحرم في سائر الأوقات، ومن صَبَر عن الماء والطعام كان أجدر به أن يصبر عن الغيبة والنميمة وقول الزور وغيرها من المعاصي والمخالفات الحِسِّية والمعنوية.

قال النبي ﷺ:

«مَنْ لَّمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»[5].

ألا فاتقوا الله، عباد الله، وأخلصوا لله تعالى في أعمالكم تكونوا من الفائزين.

نفعني الله وإياكم بقرآنه المبين وبحديث سيد الأولين والآخرين والحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية

الحمد لله على ما أنعم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعظم وكرم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله؛ إذا علمنا أن صيام شهرِ رمضانَ ركنٌ من أركانِ الإسلام، فرضهُ الله تعالى على عبادهِ لتزكيةِ نفوسهم وتقوية إيمانهم، يَسْتَحْضِرُونَ بِهِ مُراقبته لهم، فاللازم أن نعلم أن ذلك منوطٌ بجملة من الآداب نذكر منها:

أولا: الإخلاص لله عز وجل في الصيام وابتغاء الأجر منه سبحانه وحده؛ لقول النبي ﷺ:

«مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»[6].

ثانيا: الالتزام بآدابه من تعجيل الفطور وتأخير السحور، بنية التزام السنة واجتناب الغلو في الدين، والإفطار على ما تيسر من غير تكلف أو إسراف.

ثالثا: حِفْظَ سَائِر الجَوارح من آفَاتِهَا المؤَثِّرَةِ على فضل الصيام وأجره؛ لقول النبي ﷺ:

«وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ»[7].

رابعا: التفاني في العمل الذي يقوم به الصائم وإتقانُه، فلا ينبغي ولا يليق أن يكون المسلم صائما عن الطعام والشراب غاشًّا في العمل المأجور الذي هو مصدر رزقه ولقمة عيشه، فرسالة الصيام هي ترك ما ليس لك، وأن تتقن ما أسند إليك، وأن تؤدي الأمانة كما أمرك الله.

خامسا: اغتنام ساعات الصيام بالذكر والدعاء وتلاوة القرآن، فإن الصائم أشبه ما يكون بالملائكة، إذ يمسك عن شهواته، وساعاته أَشْبَهُ ما تكون بساعات الجنة، لا لغو فيها ولا تأثيمٌ.

تلكم، عباد الله؛ بعض الآداب والأخلاق التي تجعل الصائم يعيش حياة طيبة في نفسه ومجتمعه، ويتمنى لما يجده من الطمأنينة لو كان العام كله رمضان.

هذا؛ وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، سيدنا محمد ﷺ، فاللهم صل وسلم وبارك وأنعم على سيدنا محمد، عدد خلقك ورضى نفسك وزنة عرشك ومداد كلماتك.

وارض اللهم عن ساداتنا الحنفاء، الأربعة الخلفاء، ذوي القدر العلي، والفخر الجلي؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن باقي الصحابة من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم ومن تبعهم إلى يوم الدين.

وانصر اللهم من وليته أمر عبادك، وبسطت يده في أرضك وبلادك مولانا أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمدا السادس نصرا عزيزا تعز به الدين، وترفع به راية الإسلام والمسلمين، اللهم احفظه بالسبع المثاني والقرآن العظيم، وبارك له في الصحة والعافية، وأقر عين جلالته بولي عهده المحبوب صاحب السمو الملكي، الأمير الجليل مولاي الحسن، وشد أزره بشقيقه السعيد، الأمير الجليل مولاي رشيد وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة إنك سميع مجيب.

وارحم اللهم بفضلك وجودك الملكين المجاهدين، مولانا محمدا الخامس، ومولانا الحسن الثاني، اللهم طيب ثراهما، وأكرم مثواهما، واجزهما خير ما جزيت محسنا عن إحسانه.

اللهم تقبل منا الصيام والقيام وسائر الطاعات، واجعل هذا الشهر سببا لمغفرة ذنوبنا وستر عيوبنا، وتصحيح توبتنا، وغسل حوبتنا، إنك أنت الجواد الكريم، تفتح أبواب التوبة على عبادك بالليل والنهار، وتخص شهر الصيام بمزيد من العتق من النيران، اللهم أعتق رقابنا من النار، اللهم ارحم آباءنا وأمهاتنا، وأجدادنا وسائر موتانا وموتى المسلمين، اللهم أدخلنا الجنة برحمتك، وأجرنا من النار بعفوك.

ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

 

[1] . البقرة 182.

[2] . البقرة 186.

[3] . صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب هل يقول إني صائم7/187. رقم الحديث بمنصة محمد السادس للحديث النبوي الشريف1739.

[4] . السجدة 16-17.

[5] . صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب من لم يدع قول الزور والعمل به 3/26. رقم الحديث بالمنصة1737.

[6] . صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب من صام رمضان إيمانا واحتسابا ونية، 3/26. رقم الحديث بالمنصة 11763.

[7] . صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب هل يقول إني صائم إذا شتم 3/26.

 

شاهد أيضا

تصنيفات

At vero eos et accusamus et iusto odio digni goikussimos ducimus qui to bonfo blanditiis praese. Ntium voluum deleniti atque.

Melbourne, Australia
(Sat - Thursday)
(10am - 05 pm)