جارٍ تحميل التاريخ...

النبي صلى الله عليه وسلم منبع الرأفة والرحمة – ذ. الحسن إد سعيد

النسخة المكتوبة

 

الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها السادة الأئمة الفضلاء، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سعيد بالتواصل معكم مرة أخرى في رحاب آي الذكر الحكيم، لنستكشف ما تيسر من أسرار بعض آياته، ونستهدي بما مَنَّ الله تعالى من هداياته، متناولين اليوم موضوعا هاما، ألا وهو النبي ﷺ منبع الرأفة والرحمة انطلاقا من قول الله تعالى: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٞ مِّنَ اَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْۖ حَرِيصٌ عَلَيْكُمۖ بِالْمُومِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞۖ} [التوبة: 129].

نتوقف من خلال هذه الآية الكريمة على مجموعة من الهدايات؛

الهداية الأولى: أن القرآن الكريم هو أصدق مصدر وأتمُّه للحديث عن الرسول ﷺ، وهو المبين لحقيقة النبي ﷺ ولمقداره العظيم، والداعي إلى التأسي به والأخذ من أخلاقه وشمائله.

وأولى الناس بهذا التأسي والتخلق الأئمة والعلماء وكل المشتغلين في بيان رسالة الإسلام المبلغين عن الله تعالى، وذلك لأنهم هم ورثته، وهو ﷺ لم يورث دينارا ولا درهما وإنما ورث هذا الخير الذي لا ينفد، فمن أخذ منه بنصيب فقد أخذ بحظ وافر.

ورسالة مولانا أمير المؤمنين السامية إلى العلماء والقيمين الدينيين، وفي مقدمتهم الأئمة تصب في هذا الاتجاه، وذلك في شأن تخصيص هذه السنة للحديث عن السيرة النبوية وتقريبها للناس، من أجل تقديم صورة حقيقية عن الإسلام، للمسلمين أولا ثم لغيرهم ثانيا.

وتكفي الناظر في كتاب الشفا للقاضي عياض رحمه الله، خصوصا في القسم الأول وفي الباب الأول منه نظرة خاطفة ليقف على الآيات القرآنية المبيِّنة لقدر النبي ﷺ عند ربه، وكيف قدمه لأمته أسوة حسنة، وكيف ينبغي للإمام أن يقتبس من أنوار هذه الأسوة للقيام بمهمة البلاغ التي نيطت بعنقه، وهو يؤم الناس في الصلاة وفي السلوك معا.

الهداية الثانية: قوله تعالى: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٞ مِّنَ اَنفُسِكُمْ}

في هذه الآية الكريمة قَسَمٌ مؤكد باللام وبقد التحقيقية أن الرسول ﷺ منا نحن البشر، وذلك من أجل الصلاحية للاقتداء، إذ لو كان ملكا لما استطعنا أن نجاريه في العبادة والطاعة؛ لأن الملائكة عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فهم {يُسَبِّحُونَ اَ۬ليْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَۖ} [الأنبياء: 20]، فكيف يستطيع الإنسان أن يتخذ خلقا معصوما خاليا من ضعف الإنسان وحاجاته وشهواته ليكون قدوة له.

ولذلك بعث الله تعالى الرسل من جنس البشر، ويصيبهم من الأعراض البشرية ما يصيب الناس جميعا للتأسي والاقتداء.

يقول الشيخ ابن عاشر رحمه الله:

جواز الأعراض عليهم حجته *** وقوعها بهم تسل حكمته

وقرئ: {من أنفَسكم} بفتح الفاء من النفاسة، أي من أشرفكم وأفضلكم. والنبي ﷺ أفضل الناس على الإطلاق، كما ورد في الحديث: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم»[1].

فالنبي ﷺ من خير الناس حسبا ونسبا، وأكملهم فضلا وشرفا، ولا غرو أن اصطفاه الله تعالى بنبوته وأكرمه برسالته.

وفي الآية امتنان على الأمة بهذا النبي المتصف بكل صفات الكمال والجمال البشري.

الهداية الثالثة: في قوله تعالى: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْۖ}

يقول ابن جزي: “أي: يشق عليه عنتكم، والعنت: هو ما يضرهم في دينهم أو دنياهم”[2].

فالرسول ﷺ، يشعر بالحرج الكبير والضيق الشديد مما كان عليه قومه من عبادة الأصنام، والانحراف في مختلف مناحي حياتهم، مما يسبب لهم العنت والإثم والتعاسة؛ إذ السعادة لا تكون في معصية الله، وإنما تكون في طاعته، والمخالف لأوامر الله يعيش الحرج والضنك وعدم الطمأنينة والاستقرار النفسي والاجتماعي.

والرسول ﷺ، إنما جاء لإسعاد الناس بالحياة الطيبة الموعودة في القرآن الكريم، والمشروطة بالإيمان المطمئن للنفوس، والعمل الصالح المُقَوِّي للعلاقة بالله وبالعباد، فيشعر المؤمن بالسعادة، وهي غاية ما جاءت من أجله الرسل، وأنزلت الكتب.

الهداية الرابعة: قوله تعالى: {حَرِيصٌ عَلَيْكُمۖ}

هذه الجملة هي نتيجة الجملة قبلها، أي لما كان النبي ﷺ يشعر بالمشقة والحرج فيما وقع فيه الناس من العنت، كان حريصا على هدايتهم وعلى إيمانهم الكافي في إزالة ما هم فيه من الضنك والحرج.

يقول الطاهر بن عاشور: “فجاءت خاتمة هذه السورة آيتين بتذكيرهم بالمنة ببعثة محمد ﷺ والتنويه بصفاته الجامعة للكمال، ومن أخصها حرصه على هداهم، ورغبته في إيمانهم ودخولهم في جامعة الإسلام ليكون رؤوفا رحيما بهم ليعلموا أن ما لقيه المعرضون عن الإسلام من الإغلاظ عليهم بالقول والفعل ما هو إلا استصلاح لحالهم، وهذا من مظاهر الرحمة التي جعلها الله تعالى مقارنة لبعثة رسوله ﷺ بقوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا رَحْمَةٗ لِّلْعَٰلَمِينَۖ}[3].

 

الهداية الخامسة: قوله تعالى {بِالْمُومِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞۖ}

بالمؤمنين متعلق برؤوف رحيم، ورؤوف رحيم صفتان من صفات الرسول ﷺ، مثل عزيز وحريص، فيكون المعنى: جاءكم رسول عزيز عليه عنتكم حريص على هدايتكم رؤوف رحيم بكم.

فما يعانيه الرسول ﷺ من الشدة والمشقة والحرص الشديد على هداية العباد، إنما كان ذلك بصفته رؤوفا رحيما.

وهما صفتان تطلقان على الله عز وجل، ومنحهما هنا لنبيه محمد ﷺ، رحمة بعباده، وتنويها بقدره، وتعظيما لشأنه، وترغيبا لأمته في السير على منهاجه، إذ الرحيم لا يشقى به رفيقه ولا قرينه.

والرأفة أخص من الرحمة؛ إذا الباعث عليها هو ما يقع فيه المرؤوف به من الشدة والعنت، وهو ما يجعله مستحقا للشفقة والرأفة، بخلاف الرحمة فتكون على كل حال.

الهداية السادسة: المستفاد من الآية الكريمة

يستفاد من هذه الآية الكريمة أن الرسول ﷺ رحمة مهداة بكل ما تعني الكلمة من المعاني، وأن شغله الشاغل في حياته هو هداية أمته وإسعادهم في أمور دينهم ودنياهم، فكل ما جاء به من العقائد والعبادات والمعاملات والسلوك والأخلاق رحمة ورأفة بالعباد.

كما يستفاد منها أن ورثته من العلماء وكلِّ المشتغلين في مجال الدعوة والتبليغ يجب أن يتصفوا بما اتصف به من الرأفة والرحمة رفقا بالناس والسير بهم في طريق الله بالتيسير لا التعسير، والتبشير لا التنفير، والتطاوع وعدم الاختلاف، كما قال النبي ﷺ، لما بعث أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل إلى اليمن: «بشرا، ولا تنفرا، ويسرا، ولا تعسرا، وتطاوعا ولا تختلفا»[4].

وروى الإمام مالك، رحمه الله، في الموطأ بلاغا عن معاذ بن جبل، رضي الله عنه، قال: “آخر ما أوصاني به رسول الله ﷺ، حين وضعت رجلي في الغرز أن قال: “أحسن خلقك للناس يا معاذ بن جبل[5].

والشاهد في هذين الأثرين أنهما يحملان وصايا النبي ﷺ لمن تصدر لتعليم الناس أمور دينهم، وأن أول ما يجب التحلي به هو حسن الخلق والتيسير والتبشير وأخذ الناس بالتدرج شيئا فشيئا.

وهذه رسالة القيم الديني باعتباره القدوة لمحيطه الذي يؤدي فيه مهامه الدينية بكل مسؤولية وشعور بثقل الأمانة الملقاة على عاتقه.

والله سبحانه وتعالى المستعان، وعليه التكلان، وهو الموفق للصواب، وإليه المرجع والمآب.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 



[1] – صحيح مسلم باب فضل نسب النبي ﷺ، 4/1782.

[2] – التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي. 1/639.

[3] – التحرير والتنوير 11/70.

[4] – صحيح مسلم باب الأمر بالتيسير، 3/1358.

[5] – الموطأ باب ما جاء في حسن الخلق، 2/902.

شاهد أيضا

تصنيفات

At vero eos et accusamus et iusto odio digni goikussimos ducimus qui to bonfo blanditiis praese. Ntium voluum deleniti atque.

Melbourne, Australia
(Sat - Thursday)
(10am - 05 pm)