إسهام المسجد في تعزيز فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مجلة دعوة الحق، العدد 454 بتاريخ ربيع الأول 1447/ شتنبر 2025؛
إسهام المسجد في تعزيز فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ذ. الحسن إد سعيد
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين،
وبعد، فإسهاما فيما تقتضيه فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أتناول موضوع إسهام المسجد في تعزيز هذه الفريضة، وذلك في محورين:
- المحور الأول: في المراد بهذه الفريضة وعلاقتها بالأمة المسلمة
- المحور الثاني: في إسهام المسجد في تعزيزه وترسيخه في الأمة عبر تاريخها
المحور الأول: في المراد بهذه الفريضة وعلاقتها بالأمة المسلمة
المبحث الأول: ما المراد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
عندما يذكر هذا المركب تركيبا إضافيا ونسقيا، ربما يتبادر إلى الذهن أن المراد به هو حمل العصا على الناس وسوقهم إلى العبادة وبيوتها، أو تتبعهم في حركاتهم وسكناتهم، والاطلاع على عوراتهم، بدعوى القيام بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأمر ليس كذلك تماما، إذ لا إكراه في الدين، ولا يجوز في حال من الأحوال تتبع عورات الناس من أجل أمرهم أو نهيهم، بل هو من الموبقات التي نهى الشارع عنها، فكيف تكون صفة لخير أمة أخرجت للناس.
فالمراد إذا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو التعاون على البر والتقوى، والتماسك المفضي إلى تجسيد مجتمع يغلب عليه الصلاح، وتقل فيه نوازع الفساد، ويسود فيه الحياء والمحبة الحاملان على ملازمة التقوى والتحلي بالسلوك الحسن.
فيكون المراد من فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التزام الجماعة بالشريعة، من خلال البيت والمسجد والمدرسة وسائر الأماكن التي يجتمع فيها الناس، وتكون القدوة في ذلك المجتمع أفضل وسيلة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يحتاج الناس إلى وازع السلطان إلا في حالات شاذة وقليلة جدا.
المبحث الثاني: الأمة المسلمة أمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وعلى هذا المعنى كانت أمة الإسلام خير أمة أخرجت للناس، تدعو إلى الله تعالى بأخلاقها وسلوكها، وتكون أنموذجا يتمثل شرع الله المنزل في القرآن والسنة.
ولذا خصها الله تعالى وميزها عن غيرها بهذه الصفة فقال جل شأنه: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمُۥٓ أُمَّةٞ يَدْعُونَ إِلَي اَ۬لْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ اِ۬لْمُنكَرِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ اُ۬لْمُفْلِحُونَۖ ١٠٤ وَلَا تَكُونُواْ كَالذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ اُ۬لْبَيِّنَٰتُۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٞ﴾(1).
قوله تعالى: ولتكن منكم: ولتكونوا جميعا؛ كل من موقعه ومسؤوليته، فكلمة (مِنْ) دالة على البيان وليس على التبعيض، كما ذهب إلى ذلك جماعة من المفسرين، وهو الأنسب لسياق الآية، والذين قالوا إنها للتبعيض، فسر الأمة بالعلماء، أي وليكن منكم علماء يأمرون بالمعروف ...إلخ. والأولى حملها على البيان: أي ولتكونوا جميعا أمة تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، يقول الطاهر بن عاشور: «فيكون المعنى: ولتكونوا أمة يدعون إلى الخير، فهذه الأمة أصحاب هذا الوصف، قد أمروا بأن يكونوا من مجموعهم الأمة الموصوفة بأنهم يدعون إلى الخير، والمقصود تكوين هذا الوصف، لأن الواجب عليهم هو التخلق بهذا الخلق، فإذا تخلقوا به تكونت الأمة المطلوبة»(2).
فالله سبحانه وتعالى أمر هذه الأمة بأن تكون آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر، ونهاها أن تكون كالذين من قبلها المفرطين في فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل هم، كما قال القرآن الكريم: ﴿كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٖ فَعَلُوهُۖ لَبِيسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَۖ﴾(3).
فحذر سبحانه مما صنعوا، وما نتج عنه من التفرقة والاختلاف من بعد البيان والآيات التي جاءت بها أنبياؤهم.
وأكد سبحانه هذه الخصيصة بقوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ا۟خْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ اِ۬لْمُنكَرِ وَتُومِنُونَ بِاللَّهِۖ﴾(4). فجعل الأمة الإسلامية تستحق الخيرية بالقيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومما يلاحظ في الآية الكريمة أنه تعالى قدم وصف الأمة بالأمر والنهي عن وصفها بالإيمان، مع أنه هو الأساس، إذ لا قيمة لإيمان لم تكن له آثار في واقع الناس ومعيشهم. وهذا ما تشتغل عليه خطة «تسديد التبليغ» التي قام بها العلماء، وأكدت عليه الرسالة الملكية السامية للعلماء، إذ أوصت بالتوحيد المحرر للإنسان من هوى النفس أولا، والمتجلية في أخلاقه وسلوكه ومعاملاته ثانيا. وهنا تظهر ثمرات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أجلى تجلياته.
المبحث الثالث: فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
هذه الفريضة باعتبارها تندرج في التواصي بالحق والتواصي بالصبر، تحتاج إلى فقهها الذي يضبط مسارها حتى تؤتي أكلها وتعطي ثمارها المرجوة في المجتمع، إذ من لا يعرف المعروف ولا المنكر، فكيف يأمر وينهى، ومن عرفهما، ولم يكن متصفا بما يلزم من الحلم والعلم والرفق، فكيف تحصل المصالح وتُدرأ المفاسد بأمره ونهيه؟
ولذا اشترط العلماء للقيام بهذا الواجب شروطا منها:
أولا: العلم بما يأمر به، والعلم بما ينهى عنه
وإلا أفسد من حيث قصد الإصلاح، والمعروف هو كل ما ندب إليه الشرع من نية أو قول أو فعل أو سلوك، ولا يدرى ذلك إلا من خلال الشريعة ونصوصها، واستنباطات العلماء منها. كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَآءَهُمُۥٓ أَمْرٞ مِّنَ اَ۬لَامْنِ أَوِ اِ۬لْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِۦۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَي اَ۬لرَّسُولِ وَإِلَيٰٓ أُوْلِے اِ۬لَامْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ اُ۬لذِينَ يَسْتَنۢبِطُونَهُۥ مِنْهُمْۖ﴾(5).
فالقرآن الكريم يأمر برد الأمور إلى أهلها حتى يميزوا الصواب فيها من الخطأ، والحق من الباطل.
وعلى هذا بنى من قال إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الفروض الكفائية الخاصة بولي الأمر وبالعلماء.
وهذا معنى صحيح في ما يخص قضايا الشأن العام، وأما ما دون ذلك فكل يقوم بالواجب حسب استطاعته ومكانته كما سنبين في أقسام تغيير المنكر.
ثانيا: الحلم
فالآمر بالمعروف لا بد له من التحلي بالحلم، وهو المستفاد من قوله تعالى: (وتواصوا بالصبر) فالتواصي بالحق قبله يعني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا بد له من الحلم والصبر وتحمُّل التبعات التي قد تترتب على ذلك، والأنموذج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ما جاء أحد منهم بما جاءوا به إلا وقد أوذي ونيل منه، وكذلك أتباعهم، ومن أراد القيام بهذه الفريضة بلا تبعات، فقد رام رابع المستحيلات.
فحلم النبي ﷺ وصبره على قومه، وتحمله لما يصدر منهم من ردود أفعال قاسية دليل على أن هذه المهمة ثقيلة تحتاج إلى حلم كبير.
ثالثا: الرفق بما يأمر وينهى
إن من أهم صفات الآمر بالمعروف بعد العلم والحلم أن يكون رفيقا بما يأمر وينهى، وأن يرحم الناس بأمره ونهيه، لا أن يعنتهم، فرسول الله ﷺ، وهو الإسوة الحسنة، موصوف بأنه: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُومِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞۖ﴾(6).
ويقول ﷺ: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه»(7).
وعلى هذا الخلق ربى النبي ﷺ أصحابه فكانوا رحماء بينهم، مع القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في جميع مناحي حياتهم. فلا تأخذهم في الله لومة لائم. وعلى نهجهم سار المصلحون من هذه الأمة، ولا يذكر نجاح إلا للمتسمين بالرفق وجميل الخلق، ولم تقم راية لمن يتصفون بالعنف والغلظة والشدة، ولهم في التاريخ تجاريب في محاولة الإصلاح كلها فاشلة؛ لأنها لم تؤسس على الرفق والتدرج والتيسير على الناس، فكان الرفض لها هو السائد، ورحم الله عمر بن عبد العزيز، وقد أخذ عليه ولده عبد الملك أنه يتساهل مع الناس، ولم يحملهم على الجد والجادة، فقال له: «لا تعجل يا بني، فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين، وحرمها في الثالثة، وإني أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة، فيدفعوه جملة، ويكون من ذا فتنة»(8).
وعلى هذا المعنى تواردت النصوص والأدلة في أخذ الناس بالرفق والتيسير والخلق الحسن، قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: «آخر ما أوصاني به رسول الله ﷺ حين وضعت رجلي في الغرز أن قال: «أحسن خلقك للناس يا معاذ بن جبل»(9).
وهذه الجملة عظيمة الشأن كبيرة المقدار؛ لأنها وصية رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن عاملا وواليا عليها، ومهام الوالي كثيرة ومتعددة، تحتاج إلى حسن الخلق لتجد لدى الناس آذانا صاغية.
المبحث الرابع: أقسام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»(10).
هذا الحديث أساس في تغيير المنكر وبيان أقسامه، بحيث يكون باليد، وذلك لأولياء الأمور، لما يزع الله بهم مما لا يزعه بالقرآن، وباللسان، وهذه رسالة العلماء والمصلحين الذين تحملوا رسالة البلاغ عن الله للناس، وبالقلب، وهو متاح للجميع، بحيث لا يرضى المؤمن بتضييع المعروف، كما لا يرضى بترك المنكر يتفشى في المجتمع.
أولا: تغيير المنكر باليد
يكون تغيير المنكر باليد من نصيب الوالدين فيما أسند الله إليهم من مسؤولية تربية أبنائهم، وحملهم على المعروف، كما يكون من نصيب المربين كذلك فيما لهم من حمل مريديهم على التزام السلوك الحسن وتخليهم عن السلوك السيء، ويكون في هذين المستويين على قدر الحاجة من غير إفراط، أو ضرب مبرح.
ويحتاج المربي إلى نصيب من علم النفس، بحيث يدرك أن هذا الولد الذي بين يديه سيرتدع بنوع خفيف من الضرب، أم سيزداد تمردا وعصيانا، ووسائل النهي عن المنكر متعددة ومختلفة، وقد تكون أحيانا الابتسامة في وجه المسيء، والرقة في تعامله، كما فعل النبي ﷺ، مع الأعرابي الذي بال في المسجد، ومع الأعرابي الذي طلب منه جمله بعنف وقول غليظ، فابتسم إليه النبي ﷺ، وأمر الصحابة أن يعطوه أحسن من جمله، فاستحى الأعرابي وأدرك خطأه وسوء معاملته.
وقد يكون بالإعراض والتغاضي وعدم التتبع لأخطاء من أريد تربيته، والأمثلة في السيرة النبوية كثيرة، وقد يكون بالتشجيع على الخصال الحميدة، وإبرازها في وجهه، فيستحيي المخطئ أن يرتكب ما قد ينقص من قيمته بعد الثناء عليه بمحمود الخصال. وغيرها من الوسائل التي يتخذها المربون في التربية.
كما أن تغيير المنكر باليد يعني الأخذ على يد الظالم والجاني، وحماية المجتمع من إذايته، بالوسائل المعروفة والجهات المختصة والسلطات الموكول إليه حماية أمن الوطن والمواطن، وهذه ليست لآحاد الناس، ولا يجوز لهم بحال أن يستعملوها، وإلا، كانت فنتة في الأرض وفساداً كبير، واستغلال الأخذ بالحق في الانتقامات وانتهاك أعراض الناس وإضاعة أموالهم. كما قال الشاعر:
لا يصلح الناس فوضى لا سـراة لهــم **** ولا سراة إذا جهالهم سادوا
تَهْدَى الأمور بأهل الرشد ما صلحت **** فإن تولوا فبالأشرار تنقاد(11).
وقال سيدنا عثمان رضي الله عنه: «إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن».
ويقول القرطبي عند قوله تعالى: ﴿إِنِّے جَاعِلٞ فِے اِ۬لَارْضِ خَلِيفَةٗۖ﴾: هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع، لتجتمع به الكلمة، وتنفذ به أحكام الخليفة. ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة، إلا ما روي عن الأصم حيث كان عن الشريعة أصم»(12).
وقال ابن خلدون: «والخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به»(13).
وحمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي إنما يكون بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ثانيا: تغيير المنكر باللسان
ويكون عبر الكلمة الطيبة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، وهذه مهمة العلماء، وهي لب هذا البحث المتواضع، كما سنرى في المحور الثاني مفصلا،
ثالثا: تغيير المنكر بالقلب
وذلك بعدم الرضى به، وبعدم تكثير سواد أهله، وبالتزام الجماعة، وحب الخير للغير، والالتزام باحترام القوانين المنظمة للحياة، إذ من أشد المناكير خرق القوانين وعدم احترام الآخرين، والملتزم باحترام النظام مسهم بشكل كبير في إزالة المنكر وإثبات المعروف، إذ يصبح قدوة ومثالا يحتذى به في ذلك، فيرتفع المنكر تدريجيا، ويحل محله المعروف، ويصبح المجتمع متخلقا، وصاحب المنكر فيه شاذ ومنبوذ، مما يضطره إلى الرجوع إلى الصواب وإلى دفء الجماعة.
وهكذا يكون الجميع مسهما في تغيير المنكر باليد واللسان والقلب والسلوك. ويصبح المجتمع سعيدا يعيش حياة طيبة، تتسم بالأخلاق الحميدة والمعاملة الحسنة، ويسود فيها أهل الصلاح، ويتلاشى فيها أهل الفساد.
المحور الثاني: إسهام المسجد في تعزيز فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
مما لا يختلف عليه اثنان دور المسجد في القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنه الأصل في ذلك باعتبار المسجد أم المؤسسات؛ إذ منه انطلقت رسالة الإسلام ومنه بزغ نورها الوهاج الذي غمر الدنيا شرقا وغربا وطولا وعرضا، فلم يبق بيت من حجر ولا مدر إلا وقد بلغه هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل.
والحديث عن رسالة المسجد ودوره في تعزيز فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يطول، ولنقتصر منه على ما يأتي:
المبحث الأول: التلاوة والتزكية والتعليم
أهم أدوار المسجد التي يقوم بها على مر التاريخ لترسيخ وتعزيز فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي الوظائف التي بعث الرسول ﷺ، من أجل تبليغها للناس، كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ اَ۬لذِے بَعَثَ فِے اِ۬لُامِّيِّـۧنَ رَسُولاٗ مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمُۥٓ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ اُ۬لْكِتَٰبَ وَالْحِكْمَةَ﴾(14).
فالمسجد هو المدرسة الأولى التي كان النبي ﷺ يتلو فيها كتاب الله، ويزكي فيها أصحابه بحاله قبل مقاله، وبفعله وسمته وهديه وشمائله، فتعلم الصحابة عنه كل شيء، وفيه يعلمهم الكتاب والحكمة بالبيان والشرح والتفصيل، ويرون منه ﷺ قرآنا يمشي على الأرض، ويفهمون من إشاراته وابتساماته، كما يفهمون من أفعاله وكلماته، فصاروا في مجالسه، ﷺ، كما وصفوا أنفسهم كأن على رؤوسهم الطير، ويزدادون إيمانا كأنهم يرون الجنة والعالم الآخر رأي العين. وعلق النبي ﷺ، عن ذلك بقوله: «والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة، ساعة وساعة» ثلاث مرات(15).
فهذا الحديث يبين دور الذكر والفكر ومجالسة الصالحين في تربية الناس وتزكيتهم، وتصفية بواطنهم، وكون ذلك في المسجد أكثر تأثيرا ونفعا، لما في المسجد من الروحانية وعدم الشعور بالخضوع لأحد إلا لرب العالمين.
المبحث الثاني: خطبة الجمعة
تعتبر خطبة الجمعة أقوى آلية لنشر رسالة الإسلام، وتوعية المجتمع المسلم وتفقيهه في أمور دينه ودنياه.
ولذا اعتمدها النبي ﷺ، وأضفى عليها قدسية عظيمة، بحيث لا يجوز لمن لم يكن له عذر الغياب عنها، وأوجب على الحاضرين الإنصات التام لما يقوله الخطيب، كما اتخذ لها هيئة وحالا يضفي عليها الهيبة والاحترام والتعظيم، بكون الخطيب يعلو منبرا، في هندام خاص، ويكون لإلقاء الخطبة صوت خاص يناسب مقام النبوة ومقام النيابة عن النبوة، كما نهى عن الصلاة والكلام وكل ما يشغل البال حال الخطبة.
وعلى هذه الحال سار خلفاؤه الراشدون من بعده، ومن جاء بعدهم إلى يوم الناس هذا في تقديس مقام الخطبة وفي اعتبار أثرها أمرا هاما في توعية الأمة عبر التاريخ.
وهذا ما يجعل الخطبة تكون في أعلى قائمة وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتسهر على رصد وتتبع أحوال المجتمعات؛ لتضع أدوية مناسبة لأدوائها المختلفة.
وانتظام خطبة الجمعة مرة في الأسبوع، وأزيد من خمسين مرة في العام، دون انقطاع أو تعطيل دال على أهميتها ودورها الريادي في تعزيز فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ويكون دورها عظيما حين يكون الخطيب كفؤا، يحسن اختيار الموضوع، وحسن البناء، وحسن الأداء، بحيث تكون خطبته هادفة في المعالجة لقضايا الناس، وصحيحة من حيث مضمونها، وسالمة من التشويش وإثارة القلاقل والفتن في المجتمع.
المبحث الثالث: الموعظة
مما درج عليه الناس من لدن زمن النبوة إلى يوم الناس هذا إلقاء وتلقي المواعظ بالمساجد، وتتبعها مع اختلاف أنواعها من حديث وفقه وتفسير وموعظة في ما يهم الناس من شؤون الدين والدنيا.
وتمتاز الموعظة بأنها فيها فسحة أكثر وتتسع للسؤال والجواب والاستبيان والبيان، وهذا ما يجعلها تستأثر باهتمام رواد المسجد، وحرصهم عليها وشد الرحال إلى المساجد التي تلقى فيها تلك الدروس والمواعظ،
المبحث الرابع: صلاة الجماعة
ورد في فضل صلاة الجماعة في المسجد أحاديث كثيرة ترغب في حضور الصلوات الخمس وصلاتها مع الإمام واعدة بالأجر العظيم والثواب الجزيل لمن حافظ عليها، ومضاعفة الأجر إلى خمس وعشرين درجة، أو سبع وعشرين ضعفا.
ومن حِكَم صلاة الجماعة بعد الامتثال والرغبة في الثواب التدرب على الاستقامة والتزام الجماعة، والتعلم من تسوية الصف، وسماع التلاوة، وآداب المسجد، واحترام الآخرين، والتعرف عليهم، والشعور بآمالهم وآلامهم، والتضامن معهم، والتعاون على البر والتقوى، وعيادة مريضهم، والسؤال عن غائبهم، وإغاثة ملهوفهم، وغير ذلك من الأمور التي لا تأتي إلى الإنسان في بيته ما لم يرد بيوت الله تعالى.
وفي ذلك من تعزيز فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإسهام في ذلك ما لا ينكره أحد. بحيث يتعلم رواد المسجد بمجرد هذه الخلطة ومرافقة الصالحين من عباد الله في بيوت الله، فيكثر الخير والصلاح، وتنتشر المحبة والسلام بين الناس، ويسود المعروف ويقل المنكر أو يزول.
المبحث الخامس: اجتماع المسلمين في المساجد في المناسبات المختلفة
مما هو معروف ومعتاد في المساجد أن المسلمين يجتمعون فيها في مناسبات عدة، في العيدين وفي عيد المولد النبوي الشريف، وفي ليلة القدر، ومناسبات أخرى حيث تكون المواعظ والدروس، وتلاوات القرآن والمسابقات فيها، والاجتماع حول الحزب الراتب كل يوم مرتين، ودروس السيرة النبوية والأمداح النبوية، ومحاربة الأمية وتعليم الكبار والصغار من الرجال والنساء، مع ما يرافق ذلك من إطعام الطعام، وإنفاق الأموال في سبيل الله، والتشجيع على العطاء والسخاء، والإسهام في إنجاز المرافق العامة والخاصة بالحي أو بالدوار، والشعور بدفء الجماعة ودورها في التنمية المحلية المكملة للتنمية الوطنية.
كل ذلك وغيره يعزز انتشار المعروف وانقباض المنكر، لما جبل عليه الناس من التنافس في الخير، والحذر من الوقوع فيما يلام عليه الإنسان، وهذا كاف في تعزيز فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
المبحث السادس: عناية الأمة المسلمة بالمسجد
لكل هذه المعاني وغيرها أولى المسلمون أئمة وشعوبا، أغنياء وفقراء عناية خاصة للمساجد، فتنافسوا في بنائها، وعمارتها بكل أنواع العمارة، كما تنافسوا في الوقف عليها أوقافا مختلفة من دور ودكاكين، وبساتين وأشجارا، استدامة لمنافعها المختلفة وحفاظا على أدوارها الرائدة التي تقوم بها في تربية الأجيال وصيانة المجتمعات، واستمرار رسالة التوحيد.
ولا يفوتني في هذه العجالة أن أشير إلى ما أولاه مولانا أمير المومنين من العناية الكبيرة التي تليق بمقامه نيابة عن جده المصطفى ﷺ، وتليق ببيوت الله تعظيما وتقديسا، على كل المستويات، على مستوى البناء والتشييد والصيانة والالتزام والإلزام بتعظيمها باعتبارها من شعائر الله، كما قال الله تعالى:﴿ذَٰلِكَۖ وَمَنْ يُّعَظِّمْ شَعَٰٓئِرَ اَ۬للَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَي اَ۬لْقُلُوبِۖ﴾ (سورة الحج الآية: 23).
وعلى مستوى العمارة وإحياء سنة أسلافه المنعمين، في المحافظة على رسالتها في تحفيظ القرآن الكريم وترتيله وتجويده وإغداق العطايا الكثيرة والهبات السخية على القائمين بذلك، تشجيعا لهم على ما يقومون به من عمل شريف، وكذلك عنايته حفظه الله بملء المساجد بالدروس والمعارف والعلوم لكل المستويات، وخاصة محاربة الأمية وتعليم الكبار.
ومسك ختام هذه المكرمات والمبرات لمولانا أمير المومنين ما ندب إليه حفظه الله في رسالته السامية للعلماء من «توجيه الناس لا سيما في ذكرى مولد الرسول الأكرم ﷺ، أن يكثروا من الصلاة على النبي ﷺ، امتثالا لقول الله تعالى: ﴿اِنَّ اَ۬للَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَي اَ۬لنَّبِےٓءِۖ يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماًۖ﴾، وأن تقوم المجالس العلمية بإقامة مجالس حافلة للصلاة على النبي ﷺ مجالس يحضرها القيمون الدينيون وطوائف الذاكرين وعموم الناس، وأن يصحب هذه الصلوات التوجه إلى الله تعالى بنية طلبه سبحانه بأن يديم أمنه وأفضاله على بلدنا، وأن يمتع شخصنا وأسرتنا بالصحة والعافية التامة وحسن الختام»(16).
وفضاء هذه الصلوات والدعوات والأذكار هو بيوت الله تعالى، وهي مرجوة الإجابة، حفظ الله مولانا الإمام، ملكنا الهمام، مولانا أمير المومنين وحامي حمى الملة والدين، بما حفظ به الذكر الحكيم، وأبقاه ذخرا وملاذا لهذه الأمة يحيي أمجادها، ويعلي راياتها، ويحقق استقرارها وازدهارها، محفوظا في ولي عهده المحبوب الأمير الجليل مولانا الحسن، مشدود الأزر بصنوه الرشيد، الأمير مولاي رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة.
والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق، والحمد لله رب العالمين.
________________________________________
(1) . آل عمران 104.
(2) . التحرير والتنوير 4 /38.
(3) . المائدة 81.
(4) . آل عمران 110.
(5) . النساء 83.
(6) . التوبة 128.
(7) . صحيح مسلم باب فضل الرفق، 8 /22.
(8) . الموافقات للشاطبي باب بيان قصد الشارع في وضع الشريعة للإفهام، 2 /148.
(9) . الموطأ كتاب حسن الخلق باب حسن الخلق، 2 /902.
(10) . صحيح مسلم باب كون النهي عن المنكر من الإيمان، 1 /69.
(11) . البيتان للشاعر أبي الأسود الدؤلي. وقيل للأفوه الأودي الجاهلي.
(12) . تفسير القرطبي 1 /264.
(13) . مقدمة ابن خلدون الفصل الخامس والعشرون في معنى الخلافة والإمامة، 1 /97.
(14) . الجمعة 2.
(15) . صحيح مسلم، باب فضل دوام الذكر والفكر، 8 /94.
(16) . الرسالة الملكية السامية للعلماء، المحور العاشر، بتاريخ 17 ربيع النبوي 1447هـ / 10 شتنبر 2025.




